الضحك ليس للمتعة فقط.. إليك فوائده الصحية

(CNN) -- كان هناك ذلك الموقف الذي كنت أحمل فيه مرتبة ثقيلة فوق رأسي، فاصطدمت بالحائط. وآخر وثّقه طفلاي وأنا أزيل شعر أنفي استعدادًا للذهاب إلى العمل.
خلال سنوات مراهقة ابنيّ، كانا يصوّرانني سرًّا في أسوأ لحظاتي، ومن حين إلى آخر، يفاجئانني بعرض المقاطع.
تلك "أبرز لحظات أبي" السيئة إلى درجة أنها تصبح مضحكة، ونضحك بشدة كلما أعادا عرضها. وحتى الآن، أعرف غالبًا ما سيأتي، لكن المقاطع تُصبح أكثر إضحاكًا في كل مرة.
أصبح ابناي اليوم في الجامعة، وما زلنا نضحك معًا، وهذا أمر جيد، لأنّ هناك أمورًا قليلة تستحق الضحك هذه الأيام، من السياسة الحزبية المتوترة والحروب المستمرة في أوكرانيا وإيران، إلى ارتفاع تكاليف المعيشة وتداعيات أزمة المناخ. وكل ذلك قد يجعلنا نشعر بالتوتر والعجز التام.
وربما يكون، للمفارقة، الضحك أفضل ما يمكننا فعله. فهو لن يحل جميع مشاكلنا، لكنه قد يجعلنا نشعر بتحسن تجاه حياتنا ومكاننا في العالم.
أنا من الأشخاص الذين يضحكون كثيرًا وبصوت عالٍ. ولحسن حظي، لدي زملاء في العمل يتمتعون بروح الدعابة ويعرفون كيف ينتزعون مني الضحك، شكرًا لفريق CNN الرياضي، وزوجة وطفلان يجدون ما يضحك في كل شيء تقريبًا.
ولم أفكر من قبل في فوائد الضحك الصحية، إلى أن بدأت أخرج من عروض الكوميديا ووجنتاي تؤلمانني من كثرة الضحك، فأجدني متشوقًا للعرض التالي.
إذا زرتم مسقط رأس الشاعر الإنجليزي في القرن التاسع عشر لورد بايرون، فسترون لوحة تحمل اقتباسًا شهيرًا يُنسب إليه أحيانًا: "اضحك دومًا عندما تستطيع. إنه دواء زهيد الثمن".
غالبًا ما يُقال إنّ الضحك "أفضل دواء"، وقد يكون في ذلك قدر أكبر من الحقيقة ممّا نعتقد. فالضحك من القلب ليس تجربة عاطفية فحسب، بل له تأثير جسدي أيضًا. إذ يوسّع الصدر، ويزيد كمية الأكسجين التي تدخل إلى الجسم، وينشط الدورة الدموية. كما يُحدث الضحك تغيّرات كيميائية تساعد بطانة الأوعية الدموية على التمدد وتُحسّن تدفّق الدم.
وقال لي الكوميدي الأمريكي كريغ شوميكر قبل عرض له في أتلانتا في الآونة الأخيرة: "يضخّ جسمك الدم، وتتمدّد رئتاك. كل شيء يتحرّك عندما تضحك. إنه أشبه بتمرين رياضي!".
فماذا يمكن لضحك جيد أن يفعل؟ خلصت مراجعة منهجية شملت 8 دراسات صغيرة وقصيرة الأمد أُجريت بين عامي 1989 و2021، بقيادة طبيبة الغدد الصماء الدكتورة كارولين كرامر وفريقها، إلى أن الضحك يرتبط بانخفاض هرمون التوتر الكورتيزول بنحو 30%.
وقالت كرامر، الأستاذة المساعدة في جامعة تورنتو والباحثة السريرية بمركز "ليديرشيب سايناي" للسكري التابع لمستشفى ماونت سايناي، لـCNN إن دراسة فريقها عام 2023، حول تأثير الضحك العفوي في استجابة الجسم للتوتر كانت واضحة النتائج.
قالت كرامر: "يمكن لِحدّ 10 دقائق من الضحك تخفيض مستوى الكورتيزول بشكل ملحوظ. وكانت نتائجنا أكثر أهمية ممّا توقعت".
قد يبدو الأمر أجمل من أن يكون حقيقيًا: يمكنك تحسين صحتك بمجرد أن تضحك. وتقر كرامر بأن إقناع المشكّكين بذلك قد يكون صعبًا، خصوصًا أن منظومة الرعاية الصحية اعتادت الترويج لفكرة أن حبة دواء هي الحل لكل مشكلة صحية.
وقالت: "نميل إلى النظر إلى الدراسات التي تظهر نتائج من قبيل: إنها تُقلّل الوفيات، ومدة البقاء في المستشفى، وهذا وذاك. وأعتقد أنّ الناس عمومًا يميلون إلى التقليل من أهمية التدخلات التي تقتصر على تعزيز الرفاه".
أو بحسب شوميكر: "الضحك مهم جدًا لصحتنا ورفاهنا، ومع ذلك نتجاهله، لأنه لا يملك جماعة ضغط تدافع عنه".
في تسعينيات القرن الماضي، ابتكر شوميكر شخصية بديلة أطلق عليها اسم "لوفماستر"، وهي شخصية رجل واثق وسلس الحديث، يحظى بإعجاب النساء، وكان يقدم عبارات غزل جريئة وأفكارًا عن العلاقات بصوت أجش وعميق، على نحو مبالغ فيه. وقال إن عددًا كبيرًا من رواد عروضه نسبوا إليه الفضل في مساعدتهم على الإنجاب.

قال شوميكر: "اقترب مني زوجان في ميشيغان مرة وشكراني إذ قيل لهما إنهما لا يستطيعان الإنجاب، وعندما عادا إلى المنزل بعد العرض، تقمص الزوج شخصية لوفماستر".
وأضاف: "أعتقد أنهما استمتعا بوقتهما عوض التركيز على محاولة الإنجاب، فالضحك يبدد كل التوتر، وبالفعل رُزقا بطفلة".
تكرّر الأمر مرات عدة مع ناس آخرين. ويقول شوميكر مازحًا إنه دخل عالم الكوميديا كي تذهب الفتيات معه إلى حفلة التخرج أو كي تحبه والدته، لكنه اكتشف جانبًا آخر منها. إذ أصبح اليوم شغوفًا بالترويج للفوائد الصحية للضحك إلى درجة أنه جعل ذلك هدف حياته.
وقال: "أدركت أن هذا علاج رائع حقًا يمكن للناس أن يتشاركوه".
وروى لي شوميكر قصة صديقه كاتب السيناريو مايكل غولدبرغ، الذي شُخّص بسرطان الدماغ زهاء عام 2001، وأُبلغ أن أمامه ثلاثة أشهر فقط للعيش. فانخرط شوميكر في العمل مع مركز لعلاج السرطان، محاولًا إيجاد طرق يمكن للكوميديا من خلالها مساعدة غولدبرغ.
وقال: "إذا ركزنا فقط على معاناة علاج السرطان وأساليبه، فستكون التجربة مؤلمة جدًا، ولن تشجع الناس على مواصلة رحلة التعافي"، مضيفًا: "عاش مايكل 15 عامًا بعد ذلك التشخيص. مذهل!". ويرى شوميكر أن غولدبرغ استفاد أيضًا من إرادته في الحياة والفرح الذي عاشه.
وخلال مساعدته لصديقه، ابتكر شوميكر سلسلة من ورش العمل والمنتجات لمساعدة كثيرين آخرين.
وأوضح: "صُمّمت هذه الأدوات لتمنح الناس فرصة لإعادة ضبط أنفسهم واستعادة نشاطهم واسترداد زمام الأمور، فورًا، مهما كان ما يواجهونه. فمن المستحيل أن تكون غاضبًا أو مكتئبًا أو تشعر بأي شيء آخر سوى السعادة أثناء الضحك. للضحك مساحته الخاصة".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.