حلم إسرائيل الكبرى... بين خطاب نتنياهو وواقع الشرق الأوسط الجيوسياسي
في مقابلة أثارت عاصفة إقليمية، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في آب/أغسطس 2025 إنه يشعر بـ"مهمة تاريخية وروحية" لتحقيق رؤية "إسرائيل الكبرى"، وأجاب بـ"جداً" حين سُئل إن كان يؤمن بها. سبق ذلك خطابات متكررة عن "تغيير الشرق الأوسط" ورسم خرائط جديدة للمنطقة.
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بعيداً عن الانفعال هو هل هذا المشروع قابل للتنفيذ؟
نتنياهو في الحقيقة يتحدث عن مشروعين يخلط بينهما الخطاب الإعلامي. الأول هو "الشرق الأوسط الجديد"، وهو مشروع أمني قابل للتنفيذ جزئياً، يقوم على تدمير محور الخصوم، "حزب الله" و"حماس" وإيران، وفرض تفوق جوي واستخباراتي مطلق، ثم دفع المنطقة نحو تطبيع قسري مع إسرائيل كقوة مهيمنة. أما الثاني فهو "إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات"، وهو حلم أيديولوجي توراتي قديم، يعيد إحياءه اليمين الديني المتطرف.
معضلة السيطرة والحكم
وبالعودة إلى التاريخ القريب، فإن التجربة اللبنانية وحدها كفيلة بنسف الحلم الثاني. احتلت إسرائيل جنوب لبنان ثماني عشرة سنة، من 1982 حتى عام 2000، بكل ما تملك من طيران ودبابات ودعم أميركي مطلق، ولم تستطع تثبيت شريط أمني لا تتجاوز مساحته 10% من مساحة لبنان. انسحبت في النهاية تحت ضربات مقاومة لا تملك سلاحاً جوياً ولا مدرعات.
فإذا كانت بقعة صغيرة كهذه استعصت عليها، فكيف يمكنها السيطرة على مساحة تمتد من سيناء إلى الفرات، تضم أكثر من خمس دول و150 مليون نسمة؟
هنا تبرز المعضلة الجوهرية التي يتجاهلها الخطاب الشعبوي، وهي الفرق بين القدرة على التدمير والقدرة على الحكم. تستطيع إسرائيل بقوتها الجوية أن تدخل أي عاصمة عربية لساعات، لكنها لا تستطيع أن تحكم شارعاً واحداً فيها لأشهر.
حدود إسرائيل الكبرى المزعومة تضم نحو 50 مليون عربي. أمامها خياران أحلاهما مرّ، إما منحهم الجنسية فتنتهي فكرة الدولة اليهودية ديمغرافياً، وإما حكمهم عسكرياً بنظام فصل عنصري، وهذا سيسقطها أخلاقياً ودولياً حتى لدى حلفائها.
ثم هناك عامل الزمن والإنسان. نتنياهو من مواليد 1949، في السابعة والسبعين من عمره، يلاحقه الانقسام الداخلي الحاد بين العلمانيين والمتدينين، وثلاث قضايا فساد، ومذكرة من المحكمة الجنائية الدولية. مشروع بضخامة إسرائيل الكبرى يحتاج إلى نصف قرن من الاستقرار والتعبئة والاقتصاد الحربي. بينما اقتصاد إسرائيل قائم على التكنولوجيا والاستثمار الأجنبي، وهو اقتصاد يهرب مع أول صاروخ يسقط على تل أبيب، لذلك كل حروبها خاطفة وقصيرة.
شرق أوسط مجزأ بدل الإمبراطورية
والأهم من ذلك أن الشرق الأوسط الجديد الذي يتشكل اليوم ليس إسرائيلياً خالصاً. هناك تركيا تتمدد في سوريا، ومصر متمسكة بسيناء كخط أحمر وجودي، ودول الخليج تملك أدوات المال والنفط، وإيران رغم ضعفها لم تخرج من المعادلة. العالم لم يعد أحادي القطب الذي يسمح لدولة واحدة بابتلاع المنطقة.
ما يستطيعه نتنياهو فعلاً ليس بناء إمبراطورية، بل خلق شرق أوسط مجزأ وضعيف. يستطيع فرض مناطق عازلة في جنوب لبنان وجنوب سوريا وشمال غزة، ويستطيع تعطيل قيام دولة فلسطينية لسنوات، ويستطيع إدامة التفوق الجوي. هذا هو التغيير الواقعي الذي يعنيه.
أما إسرائيل الكبرى فستبقى شعاراً انتخابياً يُرفع في حملات اليمين، تماماً كما بقيت شعارات الوحدة العربية الكبرى من المحيط إلى الخليج حلماً جميلاً في كتب التاريخ، لأن الجغرافيا والسكان والتاريخ أقوى من الخرائط التي تُرسم في الاستوديوهات.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.