أين الحقيقة وأين التضخيم في الحديث عن عودة "حزب الله" إلى حرب العصابات؟
منذ إعلانها السيطرة العملانية على تلة علي الطاهر الاستراتيجية أطلقت إسرائيل العنان لحملة إعلامية عنوانها العريض أن "حزب الله":
– يعدّ العدّة للرد على هذه الضربة العسكرية التي لحقت به.
– وأنه في هذا السياق بدأ يعمل على خطة ميدانية خلاصتها العودة إلى مرحلة "حرب العصابات" التي اعتمدها بشكل أساسي منذ انطلاقته بعيد اجتياح عام 1982 حتى التحرير في أيار عام 2000، والتي تتركز على مجموعات محدودة العدد مهمتها تنفيذ هجمات مباغتة على الدوريات والمواقع الإسرائيلية من دون الحاجة إلى مواجهات وصدامات مباشرة مع الآلة الإسرائيلية العسكرية الضخمة.
ولإثبات هذه السردية، روّجت التقارير العسكرية الإسرائيلية معلومات عن رصد مجموعات وخلايا صغيرة العدد أرسلها الحزب إلى داخل المناطق الحدودية التي تبسط إسرائيل سيطرتها عليها بعد 2 آذار الماضي للبدء بتنفيذ إغارات وهجمات وفق النمط الذي كان متبعاً سابقاً والذي ألحق الأذى المادي والمعنوي بالقوات الإسرائيلية المنتشرة في الحزام الحدودي، وكان من الأسباب التي أجبرت الإسرائيلي لاحقاً على الجلاء من الجنوب نهائياً في أيار عام 2000.
وثمة مع يؤكد أن الإسرائيلي عمل منذ البداية لمنع تكرار تلك التجربة، فكانت خطته بتهجير كلّ سكان المناطق الحدودية التي احتلها، تطبيقاً لخطة "تجفيف البحر البشري" الذي كان الحزب يتحرّك فيه سابقاً، وشكّل البيئة الحاضنة والحامية والرافدة لمقاتليه، ثم عمل على تدمير تلك البلدات لكي لا تكون صالحة للعيش في فترة قريبة.
واللافت أن تلك التقارير الإسرائيلية قد تحدثت عن إحباط جيشها محاولات جادّة نفذها الحزب لإعادة إحياء ذلك النمط القتالي عبر إرساله مجموعات نجح بعضها في النفاذ والتسلل إلى المناطق المحتلة وتموضع بعضها الآخر في مناطق متاخمة للبلدات المحتلة، وهو ما يفسّر القصف الإسرائيلي اليومي على المنصوري في قضاء صور وعلى حداثا وحاريص وعيتا الجبل والطيري وبيت ياحون في قضاء بنت جبيل.
وحيال ذلك فإن السؤال المطروح: هل الخوف الذي تتحدّث عنه إسرائيل هو خوف حقيقي أم أن الآلة الإعلامية الإسرائيلية تتولى التضخيم لتبرير ممارساتها العدوانية؟
يقول الخبير في القضايا الاستراتيجية العميد الركن المتقاعد الياس فرحات رداً على هذه التساؤلات: نحن في المبدأ نعرف أن سياسة إسرائيل في لبنان تقوم على الحديث الدائم عن مخاطر تتهدّدها مصدرها لبنان، وذلك بقصد إيجاد التبريرات لممارساتها العدوانية.
وبناءً على ذلك، يضيف فرحات، لا يمكننا أن نركن إلى السردية الإسرائيلية في هذا المجال ونعتمدها، كما لا يمكننا أن نسقطها من الحساب.
ومما يزيد في الغموض والالتباس، يستطرد العميد فرحات، أن "حزب الله" يعتمد سياسة الاعتصام بالصمت حيال الوضع العسكري واحتمالاته وتوجّهاته في الميدان منذ فترة، إلى درجة أن قضيّة مكشوفة مثل تلة علي الطاهر وما رافقها من أحداث ميدانية، ظلّ يكتنفها الغموض ورفض الحزب إلى الآن الكشف عن خفاياها ومجرياتها، فكيف يمكن والحال هذه أن نستشرف توجهات الحزب الميدانية في مقبل الأيام، ونعرف هل رواية إسرائيل صحيحة أم هي مجرد بروباغندا وتهويل لكي يغطي على ممارساته وبقائه في الجنوب.
ونسأل العميد فرحات هل الحزب، بعد كل ما لحق به من خسائر عسكرية، ما زال يفكّر فعلياً في العودة إلى ميدان المواجهات مع القوات الإسرائيلية؟
فيجيب: نحن في الأصل فوجئنا بأن الحزب جدّد المواجهات في 2 آذار الماضي، وظهر أنه ما زالت لديه قوة لا بأس بها لفتح المعارك. وفي تقديرنا إن نقطة ضعفه كانت في معركة خلة الراج بالقرب من دير سريان، التي عبر الإسرائيلي منها لبلوغ زوطر والشقيف وكفرتبنيت وتلة علي الطاهر لاحقاً. ونحن ننطلق من هذه الوقائع الميدانية لنستنتج أن السردية الإسرائيلية لها منطلقاتها الثابتة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.