مرتفعات أوروبا تفقد ثلوجها.. هل يصبح التزلج طوال العام من الماضي؟

(CNN) -- شكّل التزلّج الصيفي على الأنهار الجليدية المرتفعة في جبال الألب الأوروبية تقليدًا مستمرًا منذ عقود، لكنّ موجات الحر غير المسبوقة المُسجّلة هذا العام أثارت مخاوف عشاق الرياضة من أن تضطر منتجعات التزلج إلى وقف تشغيل المصاعد خلال الأشهر الدافئة بصورة دائمة.
ولا تزال بعض منتجعات التزلج المرتفعة، مثل "زيرمات" و"ساس-في" في سويسرا، و"ليه دو ألب" في فرنسا، وممر ستلفيو على الحدود السويسرية الإيطالية، توفر التزلج على ارتفاعات شاهقة خلال جزء من فصل الصيف.
لكن تغير المناخ الناجم عن النشاط البشري ساهم في موجات حر متعاقبة في نصف الكرة الشمالي بين مايو/أيار وأغسطس/آب.
وأدت درجات الحرارة المرتفعة وغياب التجمد الليلي في جبال الألب إلى تسريع ذوبان الأنهار الجليدية، ما أجبر المشغلين على وقف التزلج لأسباب تتعلق بالسلامة.

وللمرة الأولى منذ سنوات، مرّ جزء من موسم الصيف من دون توفر تزلج منظّم يمكن الوصول إليه بواسطة المصاعد في أي مكان بجبال الألب.
ويقول سيمون ويلز، مدرب التزلج المقيم في قرية زيرمات السويسرية: "إنه لأمر محزن للغاية، لأنه يحرم فرق الأطفال والفرق المحلية من فرصة التدريب".
وتسعى زيرمات إلى توفير التزلج على مدار 365 يومًا في السنة. وفي الصيف المعتاد، من مايو/ أيار حتى أواخر أكتوبر/ تشرين الأول، يشغّل المنتجع نحو 21 كيلومترًا من المسارات المجهزة، إضافة إلى حديقة ثلجية على نهر ثيودول الجليدي قرب الحدود الإيطالية.
ويمكن الوصول إليها عبر تلفريك يصعد إلى قمة كلاين ماترهورن على ارتفاع 3،883 مترًا، وهي أعلى محطة مصاعد في أوروبا.
ويصف ويلز التجربة بأنها ساحرة، إذ يمكن للمتزلجين مشاهدة شروق الشمس من أعلى جبال الألب، فيما تمتد في الأسفل المراعي الخضراء والوديان، في تناقض مذهل مع المساحات الجليدية البيضاء.
ويأتي إلى المنطقة متزلجون محليون وفرق دولية للتدرب استعدادًا للموسم، إلى جانب السياح الراغبين بمشاهدة جبل ماترهورن والأنهار الجليدية أو تجربة التزلج للمرة الأولى. وعادة ما ينتهي التزلج قرب الظهر، عندما يصبح الثلج لينًا بسبب الحرارة.
هذا العام، أعلنت زيرمات في الأول من أغسطس/ آب الماضي تعليق التزلج مؤقتًا بسبب "استمرار درجات الحرارة المرتفعة، وغياب البرودة الليلية، والعواصف الرعدية المتكررة، وتغير ظروف الثلوج والأنهار الجليدية".
وكانت هذه ثاني مرة فقط، بعد صيف عام 2022، التي يضطر فيها المنتجع إلى إيقاف المصاعد لأسباب تتعلق بالسلامة.
ويقول ويلز، الذي يعمل في الرياضات الثلجية منذ 38 عامًا، إنه شهد تغيرات واضحة، أبرزها تقلص الأنهار الجليدية.
ويوضح أن المشكلة هذا العام تمثلت في الظروف المناخية المتطرفة: "في لحظة تكون هناك كميات هائلة من الثلوج، ثم تأتي حرارة شديدة ومستمرة". كما أدى غياب دورة التجمد والذوبان الليلية المعتادة إلى ظهور صخور كبيرة وتصدعات كانت سابقًا مغطاة بالجليد.
وفي منتجع "ساس-في" القريب، الذي يوفر أكثر من 19 كيلومترًا من مسارات التزلج الصيفية، توقفت العمليات في 10 أغسطس/آب. كما عُلّق التزلج على نهر ستلفيو الجليدي في 15 أغسطس/آب بسبب موجات الحر المستمرة وغياب التبريد الليلي وإعادة تجمد الثلوج. ووصف المشغلون القرار بأنه "مؤلم لكنه ضروري".
ومع إغلاق منتجع Timberline في ولاية أوريغون الأمريكية في 19 يوليو/ تموز، آخر وجهة أمريكية للتزلج الصيفي، شهد نصف الكرة الشمالي فترة لم يكن فيها التزلج الصيفي متاحًا في أي مكان.
في منتجع "ليه دو ألب" الفرنسي، يمكن للجمهور التزلج على نهر مون دو لانس الجليدي حتى نهاية مايو/ أيار، فيما تستمر تدريبات الرياضيين المحترفين حتى أوائل يوليو/ تموز.
وقبل عام 2023، كان التزلج ممكنًا حتى أواخر أغسطس/ آب، لكن حرارة صيف عام 2022 دفعت المنتجع إلى تقديم الموسم بهدف حماية المتزلجين والحفاظ على النهر الجليدي.
وفي النمسا، بدأ موسم التزلج الطويل في هنترتكس يتقلص أيضًا، وأصبح المنتجع يوقف التزلج خلال جزء من الصيف ويركز على المتنزهين والعائلات والزوار اليوميين.
أما في قرية تين الفرنسية، فقد كان التزلج متاحًا على نهر غراند موت الجليدي من 20 يونيو/ حزيران إلى 20 يوليو/ تموز هذا العام.
ويقول كليمان كولين، المسؤول لدى شركة إدارة الجبال والمصاعد في تين، إن الظروف كانت ممتازة في بداية الصيف، لكنها أصبحت أكثر صعوبة مع ارتفاع الحرارة.
وكانت تين تروج لنفسها سابقًا بشعار "365 يومًا من التزلج سنويًا"، إلا أن عدد أيام التزلج تراجع تدريجيًا خلال العقدين الماضيين. ويقول كولين: "كان التزلج الصيفي شائعًا في الماضي، لكنه تراجع خلال السنوات الأخيرة. لدينا الآن مشاة أكثر ومتزلجون أقل في الصيف".
ومنذ العام 1850، فقدت الأنهار الجليدية في جبال الألب ما بين 30% و40% من مساحتها ونحو نصف حجمها بسبب ارتفاع درجات الحرارة. وبين عامي 2000 و2023، فقدت الأنهار الجليدية في وسط أوروبا، بما فيها الألب والبيرينيه، نحو 39% من جليدها.
وفي تين، يفقد النهر الجليدي ما بين ثلاثة وأربعة أمتار من سماكته سنويًا. ويقول كولين إن الذوبان يتسارع وإن مساحة الجليد تتقلص، ما يؤدي إلى ظهور المزيد من الصخور ويجعل صيانة مسارات التزلج أصعب. ويتوقع أن يختفي النهر الجليدي خلال 10 إلى 15 عامًا.

وقد فقدت الأنهار الجليدية السويسرية، وعددها نحو 1400، حوالي 3% من حجمها الإجمالي في العام 2025، وهو رابع أكبر انخفاض سنوي مسجل. وخلال العقد الماضي وحده، خسرت سويسرا ربع جليدها الجليدي.
وأشار عالم الأنهار الجليدية ماتياس هوس إلى أنّ الثلوج التي تراكمت خلال الشتاء على الأنهار الجليدية السويسرية نفدت هذا العام بحلول 29 يونيو/ حزيران، في ثاني أبكر موعد مسجل بعد صيف عام 2022 شديد الحرارة.
وقال إن ذوبان الثلوج ليس استثنائيًا في حد ذاته، لكن "التوقيت يثير القلق"، إذ يفترض أن يحدث ذلك بعد شهر أو شهرين.
ويرى كولين أن تغير الفصول سيجبر المنتجعات والمتزلجين على إعادة النظر في جداولهم. فقد تصبح الثلوج في مارس/ آذار وأبريل/ نيسان أفضل منها في يناير/ كانون الثاني، بينما سينتقل التزلج الصيفي تدريجيًا إلى مايو/ أيار ويونيو/ حزيران بدلًا من يوليو/ تموز وأغسطس/ آب.
ويؤكد أن المنتجعات ستحتاج إلى التكيف من خلال تعزيز أنشطة أخرى مثل المشي وركوب الدراجات الجبلية، وربما تشجيع الزوار على مشاهدة الأنهار الجليدية بأنفسهم لفهم آثار الاحترار العالمي.
أما ويلز فيحاول أن يبقى متفائلا، قائلًا: "نحن نعتبر الجبال كائنات حية وهي تُحدد ما سنفعله. وحتى في الشتاء، الجبل هو من يقرّر. ولكي نفتح النهر الجليدي مجددًا، نحتاج إلى درجات حرارة منخفضة باستمرار وبعض الثلوج. وأنا أحاول أن أبقى إيجابيًا قدر الإمكان".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.