"مدينة الأثاث" في مصر..مصوّرة توثق حرفة تصنع بيوت المقبلين على الزواج

(CNN)-- التصوير ليس مجرد ممارسة فنية بالنسبة للمصوّرة المصرية مريم أشرف، بل طريقة لإنقاذ الذكريات من النسيان، ما دفعها لتوثيق حرفة صناعة الأثاث التي ارتبطت بهوية مدينة دمياط المصرية لعقد من الزمن، لكنها على مشارف الاختفاء اليوم.
مثل كثيرين نشأوا في دمياط، كبُرت أشرف مع صدى دق المسامير، وطنين المناشير، والأصوات المترسخة في ذكريات طفولتها.

خلال مشروع "صنع من خشب"، رصدت المصورة المصرية انهيار صناعة الأثاث التي ورثتها العائلات عبر الأجيال وما تبِعه من إغلاق ورش وضياع إرث وصولًا إلى خسارات قاسية.
وتقول أشرف في مقابلة مع موقع CNN بالعربية: " إنها حكاية مدينة، وحكاية حرفة، وحكايتي أنا أيضًا".

ارتبط اسم دمياط في الذاكرة المصرية بكونها "مدينة الأثاث"، بحسب أشرف، التي تُوضح أنّها كانت "الوجهة التي يقصدها المقبلون على الزواج لما تشتهر به من جودة أخشابها ومهارة صنّاعها".
لكن بدأت هذه الهوية تتآكل مع تراجع صناعة الأثاث وإغلاق العديد من الورش التي يعود عمر بعضها إلى أكثر من نصف قرن.

دفع انهيار القطاع الكثير من الحرفيين إلى ترك المهنة التي ورثوها عن آبائهم.
وتلفت أشرف: "بعضهم اتجه إلى أعمال أخرى، بينما لم يحتمل آخرون ثقل الخسارة، فاختاروا إنهاء حياتهم بأيديهم".

في أعمالها الفوتوغرافية، وثّقت المصورة المصرية الورش المتبقية في حالتها اليومية، والأشخاص الذين ما زالوا يعملون فيها، وكذلك آثار المهنة على أجسادهم وحياتهم. كما حاولت أيضًا إبراز الفراغ والتغيّر الذي تركه تراجع الصناعة في المدينة.

اكتشفت المصوّرة المصرية خلال الحديث مع أصحاب المهنة أنّ هذه الحرفة لم تكن مجرد مصدر للدخل بالنسبة لبعضهم، بل كانت جزءًا من الهوية، والكرامة، والشعور بقيمتهم.
في المقابل، لاحظت أشرف عند بعض الحرفيين شعورًا كبيرًا بقلة الحيلة، إذ تقول: "لم يُتاح لبعضهم فرصة التعليم، أو الحصول على الشهادة الابتدائية، وبالتالي أصبحت خياراتهم محدودة جدًا عندما تراجعت صناعة الأثاث".
ووصل الأمر إلى درجة أنّ أحدهم اضطر إلى العمل في توصيل الطلبات أو بيع الخضار حتى يستطيع إعالة أسرته، بعد أن كان يمتلك ورشته الخاصة.
أما أكثر ما أثّر فيها فهو تمسّك بعض الحرفيين بحرف نادرة، مثل الحفر على الخشب، رُغم أنّها أصبحت مهددة بالاندثار.

وتوضح أشرف: " كان بعضهم يتحدث عنها باعتبارها فنًا وليس مجرد مهنة، ويتمسك بتفاصيلها ودقتها حتى مع تراجع الطلب عليها".
هذه المشاهد جعلتها تدرك أنّ ما يحدث في دمياط لا يتعلق فقط بتراجع صناعة الأثاث، وإنّما بتغيّر في حياة أشخاص، وعلاقة مدينة بحرفة كانت جزءًا أساسيًا من هويتها وذاكرتها.
وتؤكد المصوّرة المصرية أنّ المشروع "ليس فقط توثيقًا لانهيار صناعة، بل محاولة للاحتفاظ بجزء من ذاكرة مدينة تشكّلت هويتها من خلال العمل، وذاكرة الناس، والورش، والحرفة التي انتقلت من جيل إلى آخر وبدأت اليوم في الاختفاء، تاركةً خلفها شرخًا في الذاكرة الجماعية بالمدينة".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.