اعتراض نيابي سني: "الدستوري يصادر التشريع" والحل بالعودة إلى المشرع لتفسيرات جديدة
هل ينتهي الجدل بشأن قرار المجلس الدستوري بالعودة إلى المشرّع؟
أثارت "التحفّظات التفسيرية الملزمة" التي تضمّنها قرار المجلس الدستوري الصادر في 12 من الجاري ردود فعل حادّة من "لقاء النواب السنّة"، وصلت إلى حدّ اتهام المجلس بمصادرة صلاحيات التشريع المنوطة بمجلس النواب.
وفي هذا السياق، يؤكّد النائب بلال عبد الله لـ"النهار" أنّه "لا يحقّ للمجلس الدستوري تغيير نيّة المشرّع، وأنّه (أي المجلس) تخلّى عن حياده ومهنيّته وصادر صلاحيات التشريع".
ويضيف: "إنّ هدفنا تحقيق العدالة، بعدما صادر المجلس الدستوري صلاحيات تشريعية بحجّة التحفّظات التفسيرية الملزمة".
إلى هذا الحدّ وصلت المواجهة النيابية مع المجلس المناط به النظر في دستورية القوانين ومدى مطابقتها للدستور، عند تقديم الطعون بها أمامه.
لكن هل يحقّ للمجلس الدستوري تفسير النص المطعون فيه؟ وهل صادر فعلاً صلاحيات التشريع المنوطة حصراً بمجلس النواب، وفقاً لنص المادة 16 من الدستور؟
ليس جديداً أن يُثار الجدل في لبنان، سواء عند تفسير مواد دستورية أو في معرض التعليق على قرارات المجلس الدستوري، التي لا تقبل المراجعة وتتمتّع بقوّة الإلزام للسلطات كافة في لبنان.
ويوضح جريصاتي لـ"النهار" أنّ "المقلق في الأمر هو المناداة بتجاوز قرار المجلس الدستوري، كأنّه لم يكن، علماً أنّ قراراته مبرمة وتتمتّع بقوّة القضية المحكوم بها والإلزام لجميع السلطات العامة والمراجع القضائية والإدارية، وفق ما ينصّ عليه قانون إنشائه".
ويشير إلى أنّ "للمجلس الدستوري أن يبطل القانون المطعون فيه جزئياً أو كلياً، ويمكنه أن يضمّن قراراته تحفّظات تفسيرية ملزمة، لأنّها جزء لا يتجزّأ من القرار، وفق ما أقرّه اجتهاد المجلس الدستوري اللبناني، وكذلك المجلس الدستوري الفرنسي".
ويشرح وزير العدل السابق أنّ «التحفّظات التفسيرية (réserves d’interprétation) لا تهدف إلى تعديل النص، وإنّما إلى تصحيح بعض الصيغ التي من شأنها إرباك السلطات المعنية بتنفيذه. فالمجلس الدستوري الذي يستطيع إبطال نص تشريعي لأنّه غير مقروء وغير مفهوم (Inintelligible)، أي عصيّ على التنفيذ السليم، يمكنه، من باب أولى، اعتماد التحفّظ التفسيري لتصحيح النص وإزالة الشوائب منه".
ويصف جريصاتي اعتبار قرار المجلس الدستوري كأنّه لم يكن بأنّه "هرطقة تقوّض السلطات الدستورية". لكنه يشير، في المقابل، إلى أنّ ثمة انتقادات علمية في محلّها، أبداها بعض القضاة المتمكّنين من القانون الجزائي، كالقاضي المتقاعد رالف رياشي والمحامي العام التمييزي محمد صعب.
ويبقى لمجلس النواب، الذي أناط به الدستور، دون سواه، سلطة التشريع، أن يقرّ النصوص التشريعية الملائمة والواضحة في هذا الشأن، من دون أن يتعارض ذلك مع قرار المجلس الدستوري الملزم، حتى لسلطة التشريع نفسها.
أمّا في ما يتعلّق باعتراض النواب السنّة على قرار المجلس الدستوري ووصفه بغير العادل، ثم اجتماعهم برئيس الحكومة نواف سلام ومدّعي عام التمييز القاضي أحمد رامي الحاج، ومطالبتهما بتجاوز قرار المجلس، فيشير جريصاتي إلى أنّ "تطبيق القرار يجب أن يكون كما أصدره المجلس الدستوري"، ناصحاً هذه المرجعيات، بكل مسؤولية، بالعودة مجدداً إلى المشرّع لإقرار نصوص جديدة لا تخالف قرار المجلس الدستوري، ولا تتعارض معه، بل تتضمّن تفسيرات أو استثناءات إضافية على النص الأساسي، من دون أن ينشأ عنها أي تناقض مع القرار.
ويختم جريصاتي بالقول إنّ "العيب من الأساس"، موضحاً أنّ مجلس الوزراء هو الذي يضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات، عملاً بالمادة 65 من الدستور، وأنّ العفو العام يندرج حكماً في إطار السياسة العقابية التي تنتهجها الدولة في مفصل محوري من مفاصل حياتنا العامة. ويشير إلى أنّ هذا ما جرى عند وضع مشروع قانون عفو عام في عهد آخر حكومة برئاسة سعد الحريري، قبل أيام من استقالته.
ووفق هذه القراءة الدستورية، فإنّ المخرج المتاح راهناً يتمثّل في العودة إلى المشرّع لإصدار قانون يعالج مكامن الخلل ويستكمل قرار المجلس الدستوري أو يوضّحه، على ألّا يتعارض معه في أيّ حال من الأحوال.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.