العرب والثقب الأسود في السياسة الإسرائيلية

ظاهرة فيزيوسياسية (فيزياء + سياسة) غريبة في السياسة الإسرائيلية، عندما تطالع استطلاعات الرأي في إسرائيل يقولون لك معسكر نتنياهو 50 مقعدا ومعسكر آيزنكوت 58 مقعدا.
لحظة، ولكن عدد مقاعد الكنيست 120، هناك 12 مقعدا اختفت، 10 بالمئة من مقاعد الكنيست، وفق قوانين الفيزياء الكلاسيكية لا يمكن للمادة أن تختفي هكذا، فما هي هذه المقاعد الاثنا عشر التي تناقض قوانين الفيزياء؟!
إنهم العرب، فلسطينيو 48، عرب 48، فلسطينيو الداخل، سمهم كما شئت، نحو مليوني فلسطيني يعيشون داخل إسرائيل، ممثلين بأربعة أحزاب في قائمتين انتخابيتين، القائمة المشتركة تضم 3 أحزاب، حزب الجبهة الديمقراطية يرأسه بروفسور يوسف جبارين، والعربية للتغيير يرأسه دكتور أحمد الطيبي، والتجمع الوطني يرأسه دكتور سامي أبو شحادة، وحزب القائمة العربية الموحدة برئاسة دكتور منصور عباس.
نعم 4 أحزاب يرأسها بروفسور ودكتور، صورة مصغرة عن فلسطينيي 48 الذين يشكلون 20 بالمئة من سكان إسرائيل، و50 بالمئة من الصيادلة فيها، و25 بالمئة من أطبائها، ونحو 40 بالمئة من أصحاب المهن الطبية، و75 بالمئة من ضحايا القتل في إسرائيل..! وهنا تكمن المشكلة، المطلب الأساسي لفلسطينيي 48 هو الأمن الشخصي، فالجريمة المنظمة وصلت إلى كل زاوية، ووزير الأمن القومي المسؤول عن الشرطة بن غفير يقف ويتفرج ويبتسم، وهناك من يقول يتواطأ، مع الجريمة.
الأمن مطلب الجميع الأول، حتى إن منصور عباس عين معه في الحزب في الموقع الثاني يوآف سيجالوفيتش الذي شغل في السابق منصب نائب وزير الأمن القومي، وأسس وترأس وحدة "لاهاف 433" في الشرطة، الوحدة الوطنية لمكافحة الفساد والجريمة المنظمة.
لكن، حتى لو اتفقنا أن فلسطينيي 48 لديهم قدرات خارقة، فإنها ليست كافية لتفسير قدرتهم على الاختفاء.
الحقيقة أنهم لا يختفون، بل يتم إخفاؤهم.
كيف ولماذا؟!
نتنياهو ينظر الى الخارطة السياسية والاستطلاعات ويراها هكذا: صحيح أنني لا استطيع تشكيل حكومة، لكن آيزنكوت أيضا لا يستطيع تشكيل حكومة دون العرب، صحيح أن نتنياهو لا يحصل على 61 مقعدا لكن آيزنكوت أيضا لا يملك الـ61، فهناك 12 مقعدا عربيا تقريبا في المنتصف، بيضة القبان التي تقرر من سيصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل.
العرب لن يدعموا حكومة يمين متطرف برئاسة نتنياهو، لكنهم سيدعمون حكومة آيزنكوت، فماذا سيفعل نتنياهو؟!
جعل هذا التحالف مستحيل، مهاجمة العرب، جعلهم طابور خامس، متعاونين مع حماس وهكذا، وبالتالي سيكون من الصعب على آيزنكوت أن يتحالف معهم ويحصل نتنياهو على تعادل في الانتخابات بدل خسارة مؤكدة.
وما خطط له نتنياهو حصل عليه، آيزنكوت يتهرب من الجواب إن كان سيتحالف مع العرب بعد الانتخابات، فإقراره بمثل هذا التحالف سيضيع عليه أصوات الوسط واليمين التي يأخذها من نتنياهو، وهكذا وصلنا إلى وضع يتنصل فيه العرب من نتنياهو واليمين، بينما يتنصل منهم آيزنكوت واليسار، وبهذا اختفى العرب من خارطة المعسكرات، لا هم مع الحكومة ولا هم مع المعارضة.
لكن آيزنكوت قد يراوغ قبل الانتخابات، لكنه سيحظى بدعم العرب بعد الانتخابات، وهنا أيضا لدى نتنياهو "خطة ب"، فالحملة ضد العرب فعالة وقت الانتخابات، وفعالة أيضا لو تم تشكيل حكومة بدعم العرب، فمحاولة الجمع بين أفيغدور ليبرمان مع العرب في حكومة واحدة أشبه بجمع الزيت والماء، ونتنياهو يعرف ذلك جيدا، لذا فتسخين الضفة الغربية وإشعال انتفاضة فيها ومهاجمة فلسطينيي الداخل هي محاولات لإنشاء "ميادين حرب" مستقبلية داخل حكومة المعارضة بين ليبرمان واليمين في الحكومة وبين العرب، حكومة كهذه لن تصمد طويلا، هذا ما حصل تقريبا لحكومة لابيد-بينيت.
لذا ليس صدفة أن نسمع وزراء اليمين المتطرف، تلاميذ كهانا باعترافهم، بن غفير وسموتريتش وغيرهم ينادون بتهويد الجليل لاحتواء خطر فلسطينيي 48، اليمين الإسرائيلي ماض في خطته لشيطنة العرب من أجل جعل خيارات آيزنكوت، إما إقامة حكومة مع الشيطان أو الذهاب إلى انتخابات ثانية أو تشكيل حكومة مع نتنياهو.
لذا فنحن بصدد فترة عصيبة ستمر على فلسطينيي 48، فهم سيدفعون ثمن الخلافات في السياسية الإسرائيلية، اليمين سيهاجمهم بقوة، والمعارضة "ستخجل" من الدفاع عنهم كي لا يقال إنها ستتحالف معهم.
وهكذا سيستمر فلسطينيو 48، أو "العرب" باختصار كما يسمونهم في إسرائيل، أول من يدفع ثمن قرارات السياسة في إسرائيل، وآخر من يشارك في اتخاذ القرار فيها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.