كيف تُفسد المحاصصة حتى الأوادم؟
أعترف بأنني في بداية عملي السياسي لم أكن أعير مسألة المحاصصة في التعيينات الأهمية التي أعطيها لها اليوم. فقد كنت أعتقد أنه يجب اقناع كل زعيم طائفي بأن يختار خيرة أبناء طائفته، من أصحاب الكفاءة والنزاهة، لتولّي المسؤوليات في الدولة، فلا حرج في ذلك. فما المشكلة إذا وصل الشخص المناسب إلى المكان المناسب، حتى لو جاء بترشيح من زعيم سياسي؟
لكن مع مرور السنوات، ومن خلال تجربتي السياسية ومراقبتي لكيفية عمل الإدارة العامة، اكتشفت أنني كنت أغفل جانباً أساسياً من المشكلة.
فالزعيم لا يبحث دائماً عن الأفضل، وخصوصاً من الناحية الأخلاقية والمناقبية. بل قد يفضّل شخصاً أقل كفاءة ونزاهة، لكنه أكثر استعداداً لتلبية طلباته. فصاحب المبادئ والاستقلالية قد يرفض طلباً يخالف القانون أو يتعارض مع ضميره، أما من يعتبر أن منصبه منّة من الزعيم، فقد يصعب عليه أن يقول له "لا".
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
فالمسؤول الذي يصل إلى موقعه بفضل الزعيم، ويعرف أن استمراره فيه أو ترقيته الى مناصب أعلى مرتبط برضاه، قد يصبح ولاؤه لمن عيّنه، لا للدولة ولا للمؤسسة ولا للقانون. ومع الوقت، يبدأ بتكييف إدارته لخدمة هذا الولاء، فيستبعد الأكفياء وأصحاب الشخصية المستقلة، ويحيط نفسه بالضعفاء والتابعين والأزلام الذين لا يعترضون ولا يسألون.
ولكي يستطيع ممارسة "الزعبرة" عندما يُطلب منه ذلك، عليه أولاً أن يحيط نفسه بمن يقبلون بها وينفّذونها. وهكذا تنتقل المحاصصة من تعيين شخص واحد إلى إخضاع مؤسسة بكاملها.
لكن المفارقة أن الزعيم نفسه قد يكون في الأصل إنساناً آدمياً، صاحب مبادئ وأخلاق، ولا ينوي بالضرورة ممارسة الفساد. إلا أنه يجد نفسه في منافسة مع زعماء آخرين، ويبدأ بالاعتقاد أن عليه أن يتصرف مثلهم حتى لا يخسر نفوذه أو يبدو ضعيفاً أمام جمهوره.
وهنا يأتي دور المحيطين به، وكثيرون منهم من أصحاب المصالح والمآرب، ليقنعوه بأن الالتزام بالأصول والقواعد في بلد لا يلتزم فيه الآخرون بها ليس فضيلة، بل ضعف، وأنه بذلك لا يفرّط بحقوقه وحده، بل بحقوق الطائفة التي يمثلها.
ويأتي التبرير اللبناني الجاهز:
"شو وقفت علينا؟ بدنا نكون نحنا الآدميين وغيرنا ياخد كل شي؟".
وفي ثقافتنا السياسية اللبنانية مقولة تختصر هذا المنطق كله: "الزعيم الحقيقي هو اللي بيفكّ مشنوق".
أي أن قوة الزعيم لا تُقاس، في نظر البعض، بمدى احترامه للقانون، بل بقدرته على تجاوزه والتدخل في القضاء والإدارة لحماية أتباعه، حتى عندما يكونون على خطأ. وهكذا يصبح احترام القانون ضعفاً، ومخالفته دليلاً على القوة والنفوذ.
ويتحول الزعيم من مسؤول يُفترض أن يحمي الدولة إلى مرجع ينتظر منه أن يحمي أتباعه من الدولة وقوانينها.
وهكذا ندخل في حلقة مفرغة من الفساد والإفساد، يبرّر فيها كل طرف تجاوزاته بتجاوزات الآخرين، حتى يصبح الفساد قاعدة واحترام القانون استثناءً.
وهذا ما جعلني أغيّر قناعتي القديمة. فقد أدركت أن المشكلة ليست في كفاءة الشخص الذي نعيّنه فحسب، بل في الطريقة التي أوصلته إلى موقعه، وفي طبيعة العلاقة التي تربطه بمن عيّنه.
لهذا لا يكفي أن يكون الزعيم آدمياً، ولا أن يكون المسؤول كفوءاً ونزيهاً. المطلوب نظام لا يجعل وصول المسؤول إلى منصبه واستمراره فيه مرهونين برضا الزعيم.
فالدولة لا تُبنى بالرهان على حسن نيات الأشخاص، بل بمؤسسات وقواعد تحمي استقلاليتهم، وتجعل ولاءهم للقانون وحده.
والدولة الحقيقية هي التي لا يحتاج فيها المسؤول إلى رضا الزعيم لكي يحترم القانون، ولا يحتاج فيها الزعيم إلى مخالفة القانون لكي يثبت أنه زعيم.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.