هكذا يعمل نظام الفصل العنصري الإسرائيلي الجديد في الضفة الغربية

إذا كنت من سكان مدينة رام الله، أو غيرها من مدن الضفة الغربية، ولديك عمل خارج المدينة، عليك الانتظار حتى التاسعة صباحاً، فالطرق الخارجية مفتوحة حصرياً للمستوطنين الذين يتوجهون إلى أعمالهم في القدس وتل أبيب وغيرها، في هذا الوقت من اليوم.
والأمر كذلك للعائدين، فعليهم تجنب الفترة الواقعة بين الخامسة والنصف مساءً وحتى التاسعة ليلاً، حيث تكون الطرق الخارجية مفتوحة للمستوطنين العائدين من أعمالهم.
يُقيم الجيش الإسرائيلي حواجز عسكرية على جميع مداخل المدن والتجمعات السكانية، ويغلق الجنود هذه الحواجز في الفترات المحددة بصورة كاملة، محتجزين خلفها سيارات الفلسطينيين، ليتمتع المستوطنون بحرية الحركة على الطرق الخارجية.
هذا لا يعني أن الحواجز تُفتح بصورة كاملة في باقي ساعات النهار، فالجنود يتعمدون إعاقة حركة المرور من خلال أعمال فحص وتفتيش وتدقيق في بطاقات الركاب، وغالباً بهدف التنغيص والتنكيل، وجعل أبسط الأعمال أمراً بالغ الصعوبة.
فرضت السلطات الإسرائيلية قيوداً شديدة على الحركة في الضفة الغربية منذ الأيام الأولى للحرب على غزة، وزادت هذه القيود بصورة لافتة بعد أن انتهت الحرب، بشكلها القديم، عقب التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر من العام الماضي.
وبينت تقارير أخيرة لمؤسسات حقوقية إسرائيلية، أن السلطات الإسرائيلية زادت عدد الحواجز العسكرية، والعوائق في الشهور الأخيرة، لتتجاوز آلاف الحواجز.
تكريس وتعميق الفصل العنصري
واستغلت إسرائيل الحرب على غزة، للقيام بمشاريع استيطانية واسعة وغير مسبوقة، منها إقرار بناء 104 مستوطنات جديدة، وإقامة 160 بؤرة أو مزرعة استيطانية، حسبما أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، مؤخراً، وفي أكثر من مناسبة. وأقامت أيضاً شبكة جديدة من الطرق لربط المستوطنات ببعضها وربطها بإسرائيل.
وقال خبير الخرائط والاستيطان خليل التوفكجي لـ"الشرق": "الطرق الجديدة التي شقتها إسرائيل في الضفة الغربية، مثل شارع عابر السامرة وغيره، تجعل المارين يشعرون بأنهم في قلب إسرائيل وليسوا في الضفة الغربية".
وأضاف: "نحن نعرف جيداً أوجه وأشكال التمييز العنصري الذي تمارسه إسرائيل ضدنا، والامتيازات الواسعة التي تمنحها للمستوطنين على حساب أرضنا ومواردنا، لكن هذه الممارسات شهدت زيادة وتحولاً خلال السنوات الأخيرة".
وتسيطر إسرائيل على الأراضي العامة المسماة "أراضي الدولة"، التي تشكل 40% من مساحة الضفة الغربية، وتسخرها لبناء المستوطنات والمشاريع المرتبطة بها، من مناطق زراعية، وصناعية، وسياحية، وغيرها.
وتسيطر أيضاً على المحميات الطبيعية التي تبلغ مساحتها نصف مليون دونم، والأراضي الصخرية التي تسمى "العطلية"، أي غير المستخدمة، والأراضي الصخرية المستخدمة لإنتاج مواد البناء من حجارة وغيرها، والتي تبلغ مساحتها 12 ألف دونم، وفق خبير الخرائط خليل التوفكجي.
الأفضلية القومية
وتمنح الحكومة الإسرائيلية امتيازات خاصة للمستوطنين، لتشجيعهم على الانتقال للعيش في المستوطنات التي تقيمها في الضفة الغربية، مثل المنحة المالية لكل عائلة، والإعفاء الضريبي لمدة خمس سنوات، وتوفير المواصلات المجانية، وغيرها.
وتمنح إسرائيل المستوطنين والمستوطنات الحصة الأكبر من المياه المستخرجة من المصادر المائية المتنوعة في الضفة الغربية.
وقال رئيس سلطة المياه الأسبق، شداد العتيلي لـ"الشرق": "التمييز العنصري في المياه واضح وجلي من خلال حصة الفرد، فالمستوطن يحصل على 400 لتر من المياه يومياً للاستخدام المنزلي، من بيوت وحدائق ومسابح، مقابل 80 لتراً للفلسطيني".
وأضاف: "وفي الزراعة، لا يوجد أي قيد على حصة المستوطنين من المياه التي يستخدمونها لري مزارع النخيل والورود والكروم الشاسعة التي أقاموها على أراضي الضفة الغربية، فيما يضطر المزارع الفلسطيني إلى شراء كميات محدودة، لا تكاد تذكر، من المياه، بأسعار عالية، من شركة المياه الإسرائيلية".
منظومة قانونية جديدة
وسنت الحكومة الإسرائيلية، في السنة الأخيرة، منظومة قانونية لتوسيع المشروع الاستيطاني وتعميق نظام الفصل العنصري. ففي فبراير الماضي، أقرت قانوناً يسمح للأفراد الإسرائيليين بشراء الأراضي في الضفة الغربية، بعد أن كان ذلك حكراً على المؤسسات الحكومية والجمعيات الاستيطانية.
كما سنت قانوناً جديداً غيرت بموجبه إجراءات تسجيل الأراضي لتجعل نقل الملكية أكثر سهولة. وأقرت قانوناً يفتح سجل الأراضي أمام الإسرائيليين الأفراد.
ووصف وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين هذه الإجراءات بأنها تؤسس لـ"سيادة إسرائيل على الضفة الغربية، بحكم الأمر الواقع، ودون الحاجة للإعلان الرسمي عن ذلك".
وأقرت الحكومة، خلال هذا العام أيضاً، نقل صلاحيات مدنية وقانونية واسعة من الإدارة العسكرية إلى مؤسسات مدنية ووزارات إسرائيلية.
وفي أغسطس الماضي، أقر وزير الدفاع يسرائيل كاتس خطة للجيش لنقل صلاحيات إنفاذ القانون على المستوطنين في الضفة إلى الشرطة الإسرائيلية، وهي خطوة وصفت بأنها تمهيد مهم نحو الضم الرسمي.
كما أقرت الحكومة قانوناً يسمح لها بالسيطرة على جميع المواقع الأثرية في الضفة الغربية، بما فيها تلك الواقعة في قلب مناطق السلطة الفلسطينية.
وفي أكتوبر من العام الماضي، صوّت البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، بالقراءة التمهيدية، على مشروع قانون لتطبيق "سيادة دولة إسرائيل على المستوطنات".
القانون والأمن
ومنحت الحكومة الإسرائيلية المستوطنين حرية التسلّح، وتشكيل ميليشيات تشن هجمات يومية على الفلسطينيين، لطردهم من تجمعاتهم السكانية وحقوقهم ومزارعهم.
وترفض الشرطة الإسرائيلية استقبال أي شكوى من فلسطيني ضد أي مستوطن. وفي كثير من الحالات، كان الشاكي يتعرض للعقاب.
وشكل نشطاء في القرى والتجمعات السكانية الريفية مجموعات لرصد وتوثيق اعتداءات المستوطنين ونشرها. ورغم توثيق هذه الاعتداءات بالصورة والصوت، فإن السلطات الإسرائيلية تتجاهلها بصورة شبه تامة.
ووصلت هذه الاعتداءات إلى وسائل إعلام أجنبية وبعثات دبلوماسية في البلاد. واضطرت السلطات الإسرائيلية، مؤخراً، إلى اتخاذ بعض الإجراءات بحق عدد من أفراد ميليشيات المستوطنين، بعد أن تقدمت دول غربية بشكاوى إثر تعرض ممثليها لاعتداءات موثقة بالصورة. ومنها الاعتداء الجسدي الذي تعرض له سفراء ودبلوماسيون من بلجيكا وفرنسا، الأسبوع الماضي، في قرية الطيبة شرقي رام الله، وكذلك الاعتداء الشرس الذي تعرضت له مصورة صحيفة "واشنطن بوست"، الذي أسفر عن إصابتها بكسور في أطرافها.
"راصد" أحوال الطرق
وفيما يتمتع المستوطنون اليهود، البالغ عددهم نحو 800، بحرية الحركة على الطرق في الضفة الغربية، يعيش الفلسطينيون تحت قيود الحواجز العسكرية التي تعيق كل حركة، ما دفع بعض المواطنين المتضررين، خاصة سائقي المركبات، إلى القيام بمبادرات، منها تكوين مجموعات على منصات التواصل للإبلاغ عن الأوضاع على الحواجز العسكرية.
وفي مرحلة لاحقة، باتت الإذاعات المحلية تبث نشرة تسمى "أحوال الطرق" على مدار الساعة، وخصصت بعض الإذاعات راصداً لأحوال الطرق.
ومن هؤلاء السائق عبد الرحمن عطيات، من مدينة أريحا، الذي قال لـ"الشرق"، إنه يشترك في عدة مجموعات ترصد أحوال الطرق على مدار الساعة، ليبثها عبر إذاعة "أجيال" واسعة الانتشار.
وأضاف: "أنا مشترك في مجموعات في جميع المحافظات، بحيث أفحص أحوال الطرق على مدار الساعة وأنقلها إلى الإذاعة ليستمع إليها المواطنون والسائقون"، موضحاً أنه "بهذه الطريقة يمكن للسائقين تغيير مساراتهم تبعاً لحجم الأزمة على كل حاجز".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.