نتنياهو لا يريد استسلام الفلسطينيين!
قبل ثلاث سنوات في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، شن نحو ستة آلاف من المقاتلين الفلسطينيين في قطاع غزة هجوماً بأسلحة "بدائية"- بنادق ودراجات نارية وسيارات مدنية ومسيرات يدوية محلية الصنع- على مستوطنات غلاف غزة الإسرائيلية، بعدما اخترقوا من تحت الأرض ومن فوقها وفي الجو أحد أكثر خطوط المراقبة تطوراً في العالم، بسهولةٍ لاتزال تثير أسئلة كثيرة داخل إسرائيل وخارجها.
وفي اليوم التالي شنت إسرائيل حرباً همجية على قطاع غزة لم تتوقف بعد رغم الإعلان عن اتفاق لوقفها قبل سنة من الآن. حصل الإتفاق لأنه لم يبق في غزة ما يستدعي حرباً شاملة. ما بقي يحتاج إلى عمليات يومية محدودة كالاغتيال والتدمير والحصار.
جرّت الحرب حروباً أشعلت الجبهات من لبنان إلى إيران شهدت خلالها المنطقة تطورات سياسية وعسكرية هائلة لا تزال تعتمل في المشرق العربي وفي الخليج، ودخلت فيها الولايات المتحدة عنصراً مقرراً، ثم وجدت تركيا وباكستان نفسيهما في قلب الأحداث بعدما تجاوز التهديد الإيراني عبر الأداة الحوثية اليمن ليهدد السعودية نفسها وإمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق باب المندب الذي سيطر عليه الحوثيون بعملية سريعة استدعت حشداً من "حلف مكة" الثلاثي لاستعادته.
قد لا يكون مهماً الآن كشف حقيقة الهجوم "الحماسي" وكيف خطط له يحيى السنوار ورفاقه ولماذا لم تستطع إسرائيل، أو لم ترد، كشف العملية التي تم الإعداد لها مدى شهور وربما سنوات، لا هي ولا استخبارات حلفائها الأميركيين، ولم يعد يجدي تحميل المسؤوليات إلى هذا الطرف أو ذاك، وخصوصاً قادة "حماس"، لأنهم ببساطة قتلوا جميعاً ومن تبقوا كانوا خارج غزة وما زالوا يحظون بحماية توفرها لهم هذه الدولة أو تلك.
بعد ثلاث سنوات لاتزال الحرب مستمرة على غزة وقد فاق عدد ضحاياها 75 ألف ضحية بينهم نحو 22 ألف طفل، و175 ألف جريح بينهم 54 ألف طفل، إضافة الى تدمير القطاع تدميراً شاملاً بعمرانه وبنيته التحتية، وهي لن تتوقف. تضرب إسرائيل عرض الحائط اتفاق وقف النار ولا تعترف بـ مجلس السلام "الترامبي" وتقتل كل يوم في غزة وتحاصر وتمنع الغذاء والدواء والماء.
في السياق نفسه وبأسلوب مختلف، تشن إسرائيل حربها على الضفة الغربية: حصار واقتحامات يومية وعمليات قتل وتفجير منازل يومية واعتداءات للمستوطنين المحميين بالجيش على الفلسطينيين، وقضم للأراضي وتطويق للمدن والقرى الفلسطينية بالمستوطنات والطرق. حرب يكتفي العالم باستنكارها من دون أي إجراءات فعالة لوقفها.
الوضع في غزة أكثر من مأسوي، حياة الغزيين أقسى من حياة السجناء، ليس وضعهم محدداً في أي قانون دولي، فلا هم تحت الاحتلال تماماً فتسري عليهم قوانينه ولا هم أحرار يملكون دولة وسلطة تحكمهم وتحكم بينهم وتكون مسؤولة عنهم. ترفض إسرائيل استسلامهم حتى، لا تريدهم أن يستسلموا بل أن يظلوا تحت رحمة سلاحها لا في ظل مسؤوليتها عنهم.
إسرائيل وحدها مسؤولة
كل القتل الجاري حالياً في فلسطين هو في رقبةبنيامين نتنياهو وجماعة المتطرفين العنصريين في حكومته. منذ أن خسرت "حماس" حرب غزة بات هناك طرف واحد مسؤول عن استمرار الحرب، وهذا ما بات العالم يدركه وقد عبر عن ذلك بمقاطعة خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة. لكن بين مقاطعة خطاب ومقاطعة دولة فارق كبير. وقد تبدو العقوبات الأوروبية والريطانية ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية ذات تأثير معنوي أكثر منه عملي على السياسة الإسرائيلية التي تنحو منحى يمينياً متطرفاً متزايداً. ربما يتطلب الأمر مزيداً من الجرائم كي تصبح عزلة إسرائيل أكثر فاعلية.
يستعجل نتنياهو تحقيق ما يراها إنجازات على مختلف الجبهات، ولا سيما منها في غزة ولبنان قبل الانتخابات العامة أواخر الشهر الجاري، علّه ينجح في الحفاظ على مقعده الذي تنافسه عليه معارضة قد تختلف معه في الأسلوب وليس في الغايات. في إسرائيل ليس هناك حمائم وصقور، في الدول لا تتعلق السياسة بأشخاص بمقدار ما ترتبط بمؤسسات وبإيديولوجيا، وفي إسرائيل تحكم الإيديولوجيا الجميع.
لقد تخطى نتنياهو حدود الرد على عملية "طوفان الأقصى"، بات واضحاً أن الحرب التي شنها كانت لها أهداف استراتيجية على المدى الطويل، وليست مجرد انتقام لمقتل ألف إسرائيلي في هجوم لاتزال تكتنف وقوعه ملابسات يحاول معارضو نتنياهو الداخليين الضغط لكشفها من أجل إسقاطه والحلول مكانه وليس من اجل الحقيقة المجردة. والواقع أنه رغم النقمة الدولية على نتنياهو، رسمياً وشعبياً، فإنه ماضٍ في سياسة تهويد كل فلسطين والجولان السوري المحتل وربما بعض ما احتله من الأراضي اللبنانية وإلغاء فكرة الدولة الفلسطينية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.