تحليل.. لماذا يصر الرئيس الأوكراني على أن الأمر ليس شخصياً مع ترامب رغم أنه كذلك؟

(CNN)-- صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لشبكة CNN، الخميس، بأن "لا شيء شخصي" يقف وراء فتور علاقته الأخير بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب.
ولسوء حظ الرئيس الأوكراني الذي يقود بلاده في زمن الحرب، فإن هذا الكلام أبعد ما يكون عن الحقيقة.
فكل ما يتعلق برئاسة ترامب يحمل طابعاً شخصياً.
استبدل ترامب القيم التي وجّهت الرؤساء الأمريكيين في العصر الحديث — والذين عملوا على ترسيخ الديمقراطية ومواجهة الطغاة — بقيمه الخاصة، التي تقوم على استعراض الهيمنة، ومغازلة الحكام المستبدين، والسعي وراء صفقات مربحة.
ونتيجة لذلك، يواجه زيلينسكي الآن واحدة من أكثر الأسئلة حرجاً — والتي يصعب تصديقها — بشأن الحرب: هل بات مصير أوكرانيا لا يعتمد فقط على قدرتها على صد العدوان الروسي، بل أيضاً على احتمالية أن تكون الولايات المتحدة قد انضمت إلى معسكر موسكو؟
ولا يخفي ترامب استياءه الشخصي من زيلينسكي، الذي كان سبباً — دون ذنب منه — في تعجيل إجراءات عزله الأولى من منصبه. لذا، ليس مفاجئاً أن يتبنى ترامب المطلب الروسي بتغيير رئيس أوكرانيا.
كما أن المصالح السياسية الشخصية لترامب باتت تشكّل ملامح السياسة الخارجية الأمريكية؛ فصفقة الوقود التي قد تضخ مليارات الدولارات في آلة الحرب الخاصة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جاءت في وقت كان فيه ترامب يتعرض لضغوط لإثبات قدرته أمام الناخبين — في انتخابات التجديد النصفي — على خفض أسعار الوقود المرتفعة. وينطبق الأمر ذاته على مطالبته لأوكرانيا بالتخلي عن واحدة من أكثر تكتيكاتها فاعلية، وهي شن هجمات على مصافي النفط الروسية.
ولطالما قوضت الشخصية السياسية الفريدة لدونالد ترامب جهود السلام. فقد أدت رغبته المستمرة في إرضاء بوتين إلى ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على أوكرانيا لتقديم تنازلات، بدلاً من الضغط على روسيا. وبدلاً من الوقوف إلى جانب الطرف المعتدى عليه، انتهى به الأمر بمكافأة المعتدي.
وقد اتخذ هذا النهج طابعاً أكثر وضوحاً في الأسابيع الأخيرة.
فبعد أن ظل لعامين تقريباً يدعم الموقف الروسي على المستوى الخطابي، بدأ ترامب في اتخاذ خطوات عملية لتعزيز هذا الموقف؛ إذ دعا بوتين لحضور قمة مجموعة العشرين، ويدرس عقد اجتماع يضم "القوى العظمى" -بمشاركة الزعيم الروسي والرئيس الصيني شي جينبينغ- في محاولة لإنهاء الحرب دون حضور أوكرانيا، كما يرفض إرسال صواريخ "باتريوت" لصد الهجمات الجوية الروسية.
وتشير أوكرانيا إلى أن وصولها إلى النسخة العسكرية من شبكة "ستارلينك" التابعة لإيلون ماسك لا يزال يواجه اضطرابات، مما يحد من سرعة طائراتها المسيرة ويقلل من فاعليتها. ورغم أن ترامب ينفي مسؤوليته عن ذلك، فإنه ليس من الواضح من المسؤول داخل الإدارة الأمريكية عن هذا الأمر.
وفي مشهد يعكس بوضوح الانتهازية الأخلاقية للبيت الأبيض، قام ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب، هذا الأسبوع في سانت بطرسبرغ، بوصف بوتين -المتهم بارتكاب جرائم حرب- بأنه "إنساني"، وذلك في حضور بوتين نفسه. وقد برر ترامب هذا المديح باعتباره خطوة ضرورية لتأمين إطلاق سراح المواطن الأمريكي ستيفن هوبارد من روسيا.
إلا أن هذه الاستراتيجية المتسارعة -التي تقوم على تقديم حوافز متتالية للزعيم الروسي- قد أثبتت فشلها الذريع في إنهاء الحرب. فبوتين يواصل تكذيب تأكيدات ترامب بشأن رغبته في السلام، وذلك من خلال شن هجمات دموية بالصواريخ والطائرات المسيرة على أوكرانيا؛ حيث استهدفت إحدى هذه الهجمات مؤخراً حافلات مدنية، مما أسفر عن مقتل طفلة تبلغ من العمر عاماً واحداً كانت في عربتها. ولم يقم ترامب بإدانة مثل هذه الهجمات.
بدت آثار المعاناة المستمرة التي تعيشها بلاده واضحة على وجه زيلينسكي خلال مقابلته مع كريستيان أمانبور، المذيعة في شبكة CNN، وفي حين حرص كل الحرص على تجنب صدام جديد مع ترامب، تعهد زيلينسكي بألا يتنازل أبداً عن مبادئه أو يهدر التضحيات التي قدمتها أوكرانيا. وبدا عليه الوقار والعزم، بينما كان يوجه -ضمنياً- دعوةً للعودة إلى سياسة خارجية أمريكية ترتكز على القيم الأمريكية التقليدية.
ولا يملك الزعيم الأوكراني خياراً سوى محاولة إصلاح علاقاته مع الرئيس الأمريكي؛ فهو الزعيم العالمي الوحيد القادر -إن أراد- على ممارسة ضغوط من أجل عملية سلام حقيقية.
لكن زيلينسكي أبدى استياءه بوضوح من بعض تحركات ترامب الأخيرة، بما في ذلك صفقة الوقود (الديزل) والتراجع عن تطبيق قانون عقوبات أمريكي جديد يستهدف روسيا. وقال زيلينسكي: "هذا لن يؤدي إلا إلى توفير المزيد من الأموال لبوتين من أجل هذه الحرب، ولهذا السبب أنا أعارض ذلك".
قال زيلينسكي: "سنصمد وسنظل أقوياء. سنبذل قصارى جهدنا لتقريب السلام، لكننا لن نمنح بوتين أي فرصة للفوز في هذه الحرب"، مؤكدا أنه لا يرغب في الدخول في خلافات شخصية مع ترامب، حيث قال: "الأمر لا يتعلق بالشخصيات؛ فليس هناك أي خلاف شخصي بيني وبين الرئيس ترامب".
يطرح هذا المأزق المتفاقم سؤالين بالغَي الخطورة:
كيف ستنتهي هذه الحرب -التي تزداد وحشيةً يوماً بعد يوم؟ وماذا سيحدث إن لم تنتهِ؟
يزداد الصراع خطورةً مع فتح الكرملين جبهةً جديدة من "الحرب الهجينة" ضد حلفاء أوكرانيا الأوروبيين.
وهذه الاحتمالات القاتمة لا تترك أمام أوكرانيا وحلفائها الأوروبيين خياراً سوى مواصلة الانخراط في المسار الدبلوماسي، حتى وإن كانوا لا يثقون بجهود السلام غير المتوازنة التي يقترحها ترامب.
شهد هذا الأسبوع تطورين طفيفين قدما بصيصاً من الأمل، فقد وافقت روسيا، عقب زيارة ويتكوف، على الانضمام إلى محادثات سلام ثلاثية تضم واشنطن وكييف. كما جدد زيلينسكي مقترحاً بتجميد خطوط المواجهة الحالية، في محاولة للدفع نحو وقف إطلاق النار وفتح باب الدبلوماسية.
لكن هذه الخطوات لا ترقى إلى مستوى الاختراقات؛ فالمحادثات الفنية التي وافقت روسيا على حضورها لن تبدأ قبل منتصف نوفمبر/تشرين الثاني، مما يعني أن أسابيع أخرى من القتل لا تزال بانتظارنا. وفي أحسن الأحوال، قد تؤدي هذه المحادثات إلى عملية دبلوماسية طويلة الأمد؛ إذ جرت العادة أن تواصل روسيا القتال حتى وهي تتفاوض.
وعلاوة على ذلك، سبق أن قدم زيلينسكي صيغاً متعددة لوقف إطلاق النار ومبادرات دبلوماسية لإنهاء الحرب، لكن بوتين تجاهلها جميعاً. ولا يوجد ما يشير إلى أن المقترحات الأوكرانية الأخيرة ستغريه هذه المرة.
ومع ذلك، لا تزال هناك آمال بأن التوترات الراهنة بين أوكرانيا والولايات المتحدة لن تعرقل المسار الدبلوماسي؛ ففي السابق، كانت الخلافات الحادة بين زيلينسكي وترامب تتلاشى بمرور الوقت، بفضل جهود دبلوماسية أوروبية مكثفة لتقريب وجهات النظر. كما أفاد مسؤولون أمريكيون بأن المحادثات التي جرت هذا الأسبوع في النرويج -بمشاركة زيلينسكي وشركاء أوروبيين- قد أحرزت تقدماً وخلقت زخماً للمحادثات الثلاثية المرتقبة.
لطالما كانت الصيغة العامة لأي اتفاق سلام واضحة منذ سنوات؛ فهي تتضمن هدنةً قد تُبقي لروسيا ما استولت عليه من أراضٍ، مع تقديم ضمانات أمنية من الولايات المتحدة و/أو أوروبا لكييف، ووضع خطط لبرنامج واسع النطاق لإعادة إعمار أوكرانيا بعد الحرب، بالإضافة إلى إرساء إطار عمل ينظم العلاقات بين حلف الناتو وروسيا في أوروبا.
لكن بوتين لم يُبدِ أي مؤشر على استعداده لقبول أقل من مطالبه القصوى. ولماذا قد يفعل ذلك، في حين يواصل ترامب تقديم التنازلات له؟
وتسعى روسيا من خلال التفاوض إلى انتزاع أراضٍ استراتيجية في منطقة دونباس شرقي أوكرانيا، وهي مناطق فشلت قواتها في السيطرة عليها في ساحة المعركة، رغم تكبدها خسائر بشرية فادحة. وقد صرّح زيلينسكي لشبكة CNNبأنه لا يمكنه بأي حال قبول شروط كهذه؛ لأن "كثيرين لقوا حتفهم دفاعاً عن هذه الأرض، ودفاعاً عن استقلالنا وبلادنا".
وفي حين يصر ترامب على أن بوتين يرغب في التوصل إلى اتفاق، يبدو أن زيلينسكي يمتلك رؤية أكثر واقعية لطموحات خصمه؛ إذ قال: "بوتين يلعب، إنه لاعب. وهذا أمر مؤسف، لأنه يلعب بحياة الآخرين". وأضاف أن هدف بوتين هو "كسرنا، وتدميرنا، والقضاء علينا".
غير أن الجحيم الذي تعيشه أوكرانيا، وتزايد احتمالية امتداد الحرب إلى ما وراء حدودها، لا يترك خياراً سوى اختبار نوايا بوتين مجدداً.
وهذا يعني التعامل مع مزاج ترامب وأهدافه الشخصية.
ولا يمكن لزيلينسكي السماح للاعتبارات الشخصية بأن تقف عائقاً في هذا المسار.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.