كواليس الانتشار العسكري الأميركي لتأمين تدفق النفط عبر مضيق هرمز

تواصل الولايات المتحدة نشر قوات جوية وبحرية واسعة في منطقة الخليج العربي، في مهمة مفتوحة المدة تستهدف ضمان تدفق النفط عبر مضيق هرمز، وتنفيذ الحصار البحري على إيران، وحماية السفن التجارية من هجمات طهران.
ورغم نجاح العمليات الأميركية، بالتعاون مع الشركاء في الخليج، في استعادة حركة الملاحة ورفع صادرات النفط إلى مستويات تجاوزت ما قبل حرب إيران، فإن استمرار المهمة يفرض أعباء متزايدة على القوات الأميركية، مع تمديد فترات انتشار حاملات الطائرات والمدمرات، واستنزاف الذخائر، والوقود، والإمدادات، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وتواجه واشنطن معادلة صعبة بين مواصلة الضغط على طهران والحفاظ على السيطرة على الممر المائي الحيوي، وبين تداعيات استنزاف الموارد العسكرية على قدرتها على مواجهة النفوذ الصيني والاستجابة لأزمات أخرى حول العالم، وفق الصحيفة.
وأشارت الصحيفة إلى أنه على متن حاملة الطائرات الأميركية "يو إس إس جورج واشنطن" USS GEORGE WASHINGTON في بحر العرب، تنطلق مقاتلات أميركية محملة بصواريخ جو-جو تحت جنح الظلام، متجهة نحو مضيق هرمز لاعتراض صواريخ كروز إيرانية، وطائرات مسيرة تستهدف السفن التجارية.
ويستعد طيارو مقاتلات F-35C، و F/A-18 لمهام ليلية، فيما تنسق طائرات الحرب الإلكترونية والإنذار المبكر والمروحيات المخصصة لمكافحة الغواصات تحركاتها لتوفير مظلة حماية لناقلات النفط والسفن العابرة للمضيق.
وبعد ساعات من التحليق، تعود المقاتلات إلى الحاملة بسرعة تتجاوز 100 ميل (160.93 كم) في الساعة، حيث يلتقط كابل على سطح السفينة خطاف الهبوط في مؤخرة الطائرة، لتتوقف في أقل من ثانيتين.
وساهمت هذه الطلعات شبه اليومية في حماية السفن واستعادة تدفق النفط عبر الممر المائي، رغم الهجمات الإيرانية المتواصلة. ويقول الجيش الأميركي إنه ساعد أكثر من 3 آلاف سفينة تجارية على عبور المضيق خلال الأشهر الستة الماضية، ما أتاح لصادرات النفط من الخليج تجاوز مستويات ما قبل الحرب خلال الأسابيع الأخيرة.
والأسبوع الماضي، حلّق قائد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، الأدميرال براد كوبر، فوق الممر المائي، بالتزامن مع إعلان القيادة المركزية الأميركية CENTCOM، وصول إجمالي صادرات النفط عبر المضيق منذ الصيف إلى 1.5 مليار برميل.
ضغوط على حاملات الطائرات والأطقم البحرية
لكن الوتيرة المتواصلة للعمليات الجوية، التي تتوزع على حاملتي طائرات وسفينة هجومية برمائية وقواعد جوية في أنحاء الشرق الأوسط، تفرض ضغوطاً متزايدة على الطائرات وأطقمها وفرق الصيانة المكلفة بضمان جاهزيتها، وفق مسؤولين أميركيين.
وتعمل حاملات الطائرات المشاركة في المواجهة على مدار الساعة لأشهر متتالية، مسجلة أرقاماً قياسية حديثة في طول فترات الانتشار وعدد الأيام المتواصلة في البحر دون التوقف في الموانئ، كما امتدت فترات انتشار المدمرات المزودة بصواريخ موجهة، التي ترافق حاملات الطائرات وتشارك في الحصار البحري، ما يزيد الضغوط على السفن وأطقمها.
وقال رئيس العمليات البحرية الأميركية، الأدميرال داريل كودل، إن البحرية تستخلص الدروس من المواجهة، مشيراً إلى إنشاء مركز لصيانة السفن في قاعدة دييجو جارسيا بالمحيط الهندي، والتخطيط لزيادة فترات توقف السفن في الموانئ لإتاحة الراحة للبحارة.
وأوضح أنه يعمل مع قيادات وزارة الحرب "البنتاجون" على تنظيم تمديد فترات الانتشار وتوفير قدر أكبر من الوضوح للبحارة وأسرهم بشأن مدتها.
وقال: "يمكن للبحارة تحمل فترات انتشار طويلة، لكنهم يحتاجون إلى التوقف في الموانئ"، مضيفاً أنه من الضروري أن تكون لديهم صورة واضحة بشأن المدة التي سيقضونها في الانتشار.
كلفة عسكرية متزايدة
وتنشر الولايات المتحدة حالياً نحو 50 ألف جندي و20 سفينة تابعة للبحرية في الشرق الأوسط، فيما يقدر مكتب الموازنة في الكونجرس أن تكلفة المواجهة تتراوح بين ملياري دولار و3 مليارات دولار شهرياً، مع استهلاك البنتاجون كميات كبيرة من الذخائر ووقود الطائرات والإمدادات اللازمة لاستمرار العمليات.
وفي الوقت نفسه، يعزز البنتاجون وجوده العسكري في المنطقة بإرسال مزيد من القوات والسفن، بينما يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب شن جولة جديدة من الهجمات على إيران لكسر الجمود ودفع طهران إلى الاستسلام، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال".
وأكد البيت الأبيض أن الحصار سيظل "سارياً بكامل قوته وفاعليته"، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة لن تهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المقررة الثلاثاء المقبل.
ويؤكد قادة عسكريون أن القوات الأميركية قادرة على مواصلة الحصار وحماية السفن التجارية طالما طُلب منها ذلك، لكن مسؤولين يقرون بأن هذه المهمة، التي تتطلب موارد ضخمة، تحد من قدرة واشنطن على مواجهة النفوذ الصيني والاستجابة لأزمات أخرى حول العالم.
ويرى بعض المسؤولين الأميركيين أن الوضع في مضيق هرمز يصعب استمراره دون مزيد من المساعدة الدولية، غير أن محاولات إدارة ترمب تشكيل تحالف دولي لتأمين المضيق، لم تحقق نتائج ملموسة.
هجمات إيرانية تختبر السيطرة الأميركية
وخلال الأشهر الأخيرة، اختبرت إيران بشكل متكرر تأكيدات إدارة ترمب بشأن السيطرة على الممر المائي، من خلال إضرام النيران في سفن والتسبب في غرق بعضها. وكان أكتوبر من أكثر الأشهر عنفاً بالنسبة إلى حركة الشحن التجاري منذ اندلاع حرب إيران في فبراير الماضي، إذ سجل مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني أكثر من 35 حادثة.
وقالت دانا سترول، نائبة مساعد وزير الدفاع الأميركي السابقة لشؤون الشرق الأوسط خلال إدارة الرئيس السابق جو بايدن، إن مسار المواجهة بات يتوقف على قدرة كل طرف على فرض سيطرته على الممر المائي لفترة أطول من الطرف الآخر.
وأضافت أن حملة الضغط الأميركية، التي تشمل العقوبات الاقتصادية والحصار البحري، لم تكن حتى الآن كافية لدفع النظام الإيراني إلى تقديم التنازلات التي تسعى إليها إدارة ترمب، متسائلة عما إذا كانت هذه المعادلة ستتغير مع مرور الوقت.
ويقول مسؤولون أميركيون إن طهران اعتمدت بدرجة كبيرة على الطائرات المسيرة وصواريخ كروز الكبيرة دون سرعة الصوت، التي يطلق عليها بعض المسؤولين وصف "حافلات مدرسية طائرة"، لمهاجمة السفن.
وتقول واشنطن إنها أضعفت إلى حد كبير قدرة إيران على رصد السفن وتتبعها، وإن 95% من حركة الملاحة تعبر المضيق بأمان.
عمليات مكثفة
وأتاحت العمليات التي رصدها صحافيو "وول ستريت جورنال" على متن حاملة الطائرات "جورج واشنطن" الاطلاع على حجم الانتشار العسكري الأميركي المخصص لحماية السفن في مضيق هرمز. وتضم القوة المشاركة في المهمة حاملة طائرات ثانية، وسفينة هجومية برمائية، وأكثر من 12 مدمرة مزودة بصواريخ موجهة، إلى جانب طائرات ومسيّرات منتشرة في أنحاء الشرق الأوسط.
وعلى متن حاملة الطائرات تعمل الأطقم على مدار الساعة لتجهيز الطائرات للمهام، ونقلها بين سطح الطيران وحظيرة الطائرات باستخدام أربعة مصاعد ضخمة. وتتولى فرق الصيانة إصلاح الطائرات، فيما يعمل أفراد التسليح على تحميل الذخائر وتفريغها، ويعمل فنيون متخصصون على إصلاح المحركات.
وقالت الضابطة آدي شيفر، المسؤولة عن أحد أقسام الصيانة على متن الحاملة، إن زيادة ساعات الطيران ترفع احتمالات تعرض الطائرات للأعطال، ما يزيد أعمال الصيانة خلال العمليات الجوية. وأضافت أن الجمهور يشاهد أفلاماً مثل "توب جان"، لكنه لا يفكر عادة في الفرق التي تعمل خلف الكواليس لضمان قدرة الطائرات على التحليق.
وتنطوي المهام الليلية فوق مضيق هرمز على ضغوط كبيرة بالنسبة إلى الطيارين، إذ لا يتجاوز عرض الممر المائي 20 ميلاً (32.19 كم)، فيما يشهد مجاله الجوي كثافة في الأجسام الطائرة، ما لا يترك للطيارين سوى ثوانٍ للتعامل مع المقذوفات التي تنطلق من الساحل الإيراني.
وقال أحد الطيارين إن سربه حقق نسبة نجاح بلغت 100% في حماية السفن عندما تكون المقاتلات في مواقعها المخصصة وتملك الذخائر اللازمة لإسقاط التهديدات، لكنه أشار إلى أن إيران تطلق أحياناً هجمات تستهدف سفناً يفوق عددها قدرة الولايات المتحدة على حمايتها.
وقال قائد مجموعة حاملة الطائرات القتالية الأدميرال جيفري هيمز، إن المقاتلات تتدخل لاعتراض الصواريخ المضادة للسفن والطائرات المسيرة وإسقاطها في وقت قصير، مؤكداً أن القوات تنفذ هذه المهمة بصورة منتظمة.
وأضاف أن الحاملة تتلقى إمداداتها بانتظام، وأن طاقمها لا يزال يتمتع بالحافز رغم التساؤلات بشأن طول فترة الانتشار. وكانت مجموعة حاملة الطائرات، التي تتخذ من اليابان مقراً لها، قد أُرسلت في أغسطس لتولي المهمة بدلاً من حاملة الطائرات "يو إس إس أبراهام لينكولن" USS Abraham Lincoln.
فيما يرى بعض المحللين أنه مع استمرار تدفق النفط عبر مضيق هرمز، ينبغي لترمب إتاحة الوقت للحصار البحري كي يستنزف النظام الإيراني، بدلاً من السعي إلى إنهاء سريع للمواجهة عبر ضربات عسكرية قد لا تغير حسابات طهران.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.