Ink.. عن متعة صناعة الخبر وثمن تحويله إلى سلعة

حين استحوذ المليادير الأسترالي روبرت مردوخ على صحيفة The Sun عام 1969، لم يكن يفكر في إنقاذها من الإفلاس، لكنه أراد صناعة صحيفة مختلفة، تصل إلى قراء لم تكن الصحف البريطانية الكبرى تهتم بهم، وتبيع من النسخ ما يكفي لإزاحة منافسيها، وتحديداً The Mirorr، التي كانت تتربع على عرش التوزيع بفارق كبير عما يليها من صحف.
في فيلم Ink، يتولى الصحفي لاري لامب تنفيذ المهمة، يمنحه مردوخ الصحيفة، ويطالبه بأن يجد لها صوتاً وجمهوراً، فيعود لامب إلى غرفة الأخبار ليجمع فريقاً مستعداً لتغيير كل شيء، من العنوان والصورة إلى تعريف الخبر نفسه.
يعرف المخرج داني بويل كيف يصنع فيلماً عن تلك اللحظة، تتحرك الكاميرا بين المكاتب والمطابع، وتتلاحق العناوين والوجوه والقرارات بسرعة تجعل إصدار عدد جديد من الصحيفة يبدو سباقاً مع الوقت، الورق والحبر وضجيج الآلات تعد جزء من الإثارة التي يقوم عليها الفيلم، وليست مجرد تفاصيل لاستعادة حقبة مضت، ويراهن بويل على أن يشعر المشاهد أولاً بمتعة بناء صحيفة ناجحة، قبل أن يطالبه بالتفكير في طبيعة هذا النجاح.
الفيلم البريطاني الأميركي، الذي عرض في مهرجاني فينيسيا ثم تورنتو على التوالي، وينتظر عرضه على نتفليكس في يناير المقبل، مأخوذ من مسرحية لجيمس جراهام، الذي كتب السيناريو أيضاً، وركز على العلاقة بين مردوخ (يقوم بدوره جاي بيرس)، ولامب (يؤديه جاك أوكونيل)، اللذان يجمعهما شعور بأن المؤسسة الصحفية البريطانية القديمة لا تفسح لهما مكاناً.
يملك مردوخ المال والطموح، بينما يعرف لامب كيف يخاطب جمهوراً أوسع وأقل اهتماماً باللغة التي تتحدث بها الصحف مع النخبة، ومن تحالفهما تولد صحيفة تعتبر أن على الخبر أن يلفت الانتباه فوراً، وأن المبيعات هي المقياس الذي يحسم الخلافات داخل صالة التحرير.
مردوخ ولامب
لا يمكن اعتبار أن Ink يقدم سيرة لروبرت مردوخ، بقدر ما يتتبع اندفاع لاري لامب، وهذه نقطة تحسب للفيلم، فاختزال التحول كله في شخصية المالك كان سيجعل ما حدث للصحيفة نتيجة قرار واحد تم اتخاذه من مستوى أعلى، لامب هو من يخوض المعركة اليومية، يجند الصحفيين، ويختبر الأفكار، ويراقب أرقام التوزيع، ثم يعود ليطلب المزيد، ويمنحه أوكونيل ثقة رجل يريد إثبات نفسه أمام منظومة استهانت به، لكنه يظهر أيضاً كيف تتحول تلك الرغبة إلى استعداد متزايد لتجاوز الحدود.
أما بيرس، فيبتعد عن الصورة السهلة لمردوخ بوصفه صاحب كل قرار صادم في الصحيفة، يبدو أكثر تحفظاً في بعض اللحظات من رئيس التحرير الذي اختاره، لا يعفيه ذلك من مسؤوليته، فهو من أطلق المنافسة، ومن وضع النجاح التجاري في مقدمة المطلوب، لكن العلاقة بينهما تصبح أكثر إثارة حين يتقدم لامب بخطوات تجعل مردوخ نفسه يتردد، السؤال هنا ليس أي الرجلين بدأ الانحدار، بل ما الذي يحدث عندما تخلق مؤسسة حافزاً مستمراً للمبالغة ثم تفاجأ بالنتيجة.
في القسم الأول، يعمل أسلوب بويل لمصلحة هذه العلاقة، المونتاج سريع، والموسيقى تدفع الأحداث إلى الأمام، وغرفة الأخبار تبدو ممتلئة بأشخاص يستمتعون بالعمل وبفرصة تغيير قواعده، لا يطلب الفيلم الإعجاب بما ينشرونه، لكنه ينجح في شرح جاذبية المشروع لمن شاركوا فيه، حيث كان لديهم شعور بأنهم يتحدون صحافة متعالية على الجمهور، وأنهم يعرفون ما يريد الناس قراءته، وشيئاً فشيئاً تبدأ المسافة في الضيق بين الاستجابة لاهتمام القراء واستغلاله.
نجاح يصعب الاحتفال به
تزداد قيمة Ink حين يربط قرارات التحرير الصغيرة بالاتجاه الذي أخذته الصحيفة، العنوان الأكثر استفزازاً، والصورة التي يمكن إبرازها، والقصة التي تستحوذ على مساحة لأنها ستبيع نسخاً أكثر، كل اختيار يبدو محدود الأثر في يومه، لكنه يحدد هوية الصحيفة مع الوقت، وحين تصبح أرقام التوزيع دليلاً كافياً على صواب القرار، يفقد العاملون فيها سبباً عملياً للتوقف ومساءلة ما يفعلون.
مع ذلك، لا يحافظ الفيلم دائماً على دقة هذه الملاحظة، فهو يثق أحياناً بسرعة مشاهده وبأداء ممثليه ليكشف التناقض، ثم يعود ليشرحه في الحوار وفي بناء بعض المواقف، وتلك إحدى مشكلات الأفلام التي تتناول موضوعاً لا يزال حاضراً بقوة، فالرغبة في وصل كل مرحلة من الماضي بما نعرفه اليوم عن الإعلام، الإشارة مفهومة، لكن الحكاية تكون أشد وقعاً حين نرى آلية العمل وهي تتغير أمامنا من دون أن يخبرنا أحد بما ينبغي أن نستنتجه.
تؤدي كلير فوي دور جولز ديفيز، إحدى الشخصيات القليلة من النساء داخل هذا العالم التحريري، حضورها يمنح الفيلم فرصة لرؤية غرفة الأخبار من موقع آخر، خاصة مع اتجاه الصحيفة إلى استخدام صورة المرأة وسيلة لجذب القراء، تتمتع فوي بالقوة الكافية لتثبيت الشخصية وسط صخب لامب ومردوخ، لكن السيناريو لا يمنحها دائماً المساحة نفسها التي يمنحها للرجلين، تبقى قريبة من قرارات محورية، بينما نعرف عن موقعها الإنساني والمهني أقل مما تسمح به إمكانات الشخصية.
المأساة في غرفة الأخبار
يتغير إيقاع الفيلم مع واقعة اختطاف موريل ماكاي، كانت زوجة أحد العاملين مع مردوخ، واختطفت بعدما اعتقد الجناة أنها زوجة مالك الصحيفة، تدفع هذه الحادثة الحقيقية قصة Ink إلى منطقة أشد قتامة، فبعد أن تابعنا لامب وهو يكتشف قدرة الصحيفة على تحويل كل حدث إلى مادة تجذب الجمهور، يصبح عليه أن يتعامل مع واقعة تمس محيطه المباشر، هنا يسأل الفيلم إن كانت معرفة الأشخاص المعنيين ستغير طريقته في العمل، أم أنها ستمنحه قصة أكبر.
الانتقال من طاقة غرفة الأخبار إلى مأساة إنسانية صعب، ويظهر أثره على توازن الفيلم، تتراجع الحيوية التي حملت النصف الأول، فيما يتقدم الحكم الأخلاقي على لامب، قد يبدو هذا التحول حاداً، لكنه يكشف أيضاً حدود المتعة التي صنعها بويل عمداً في البداية، لا يستطيع المشاهد أن يستمر في متابعة سباق التوزيع بالحماسة نفسها عندما يصبح ثمن قرارات التحرير واضحاً أمامه.
يثير الفيلم سؤالاً آخر من خلال استخدامه المحدود للذكاء الاصطناعي في بعض الصور المتحركة والتفاصيل البصرية، لا تقوم الحكاية على هذه التقنية، لكن استخدامها داخل عمل منشغل بحدود الصورة الإعلامية يفتح نقاشاً مشروعاً حول اختياراته الفنية، وهو نقاش ظهر في التغطيات النقدية بعد عرض الفيلم في تورونتو، ويضيف طبقة معاصرة إلى موضوعه من دون أن يغير الحكم على مجمل التجربة.
في أفضل أجزائه، يجعل Ink نجاح The Sun مفهوماً ومقلقاً في الوقت نفسه، نفهم لماذا جذبت الصحيفة قراءها، ولماذا أحب العاملون فيها سرعتها وقدرتها على كسر الأعراف، ثم نرى كيف صار المطلوب من كل عدد أن يتجاوز سابقه، لا يبلغ الفيلم الدرجة نفسها من القوة في جميع مراحله، ويقول أحياناً بصوت مرتفع ما كانت مشاهده قد أوصلته بالفعل، لكن بويل وأوكونيل يمنحانه ما يكفي من الطاقة والتعقيد ليبقى أكثر من حكاية عن تأسيس صحيفة، إنه فيلم عن أشخاص عرفوا جيداً كيف يمنحون الجمهور ما يريده، وتأخروا في السؤال عما فعلوه من أجل ذلك.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.