إعادة استخدام مياه الصرف في الدول العربية: مورد مهدور لمواجهة الجفاف
في منطقة تبحث عن كل متر مكعّب إضافي من المياه، يستحق ما يخرج من المدن اهتماماً يوازي ما يدخل إليها. فمياه الصرف، بعد معالجة ملائمة ورقابة موثوقة، تستطيع خدمة استخدامات زراعية وصناعية وحضرية. لكن تحويلها إلى مورد منتظم يتطلّب أكثر من إنشاء محطة؛ إنه يحتاج شبكة نقل، ومستخدماً مستعداً للشراء، وتمويلاً للتشغيل، وثقة بأن المياه آمنة للغرض المحدّد.
أهمية القضية: التكيّف مع الجفاف لا يقتصر على البحث عن مصادر جديدة. إعادة الاستخدام قد تخفّف الضغط على المياه العذبة وتحدّ من التلوّث في الوقت نفسه. غير أن هذه الفوائد مشروطة بجودة المعالجة وطريقة الاستخدام، ولا تبرّر الري بمياه غير مأمونة أو تجاهل أثر الأملاح والملوّثات في التربة والمحاصيل.
فرصة كبيرة وأرقام تحتاج سياقاً
يشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن 11 في المئة فقط من مياه الصرف المعالجة يُعاد استخدامها عالمياً. هذه النسبة تخص المياه المعالجة، لا مجمل مياه الصرف، ولا تمثّل قياساً خاصاً بالدول العربية. والتمييز مهم لأن بعض النقاشات تخلط بين جمع المياه ومعالجتها وإعادة استخدامها، مع أنها مراحل مختلفة.
وكان البنك الدولي قد أشار في تقرير «ما بعد الندرة» عام 2017 إلى أن 82 في المئة من مياه الصرف في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لم تكن تُعاد تدويرها. يصلح الرقم لتوضيح حجم الفرصة التي شُخّصت حينها، لكنه لا يجوز تقديمه بوصفه إحصاءً محدّثاً لعام 2026، بعدما تغيّرت الاستثمارات والقدرات بصورة متفاوتة بين البلدان.
وعادت المسألة إلى الواجهة في أسبوع القاهرة للمياه في تشرين الأول/أكتوبر 2026، حيث شملت جلسات منظمة الأغذية والزراعة بحث استخدام الذكاء الاصطناعي لرسم خرائط قدرات المعالجة وفرص إعادة الاستخدام عربياً. والفائدة المتوقّعة من هذه الأدوات هي تحديد المواقع والاحتياجات بصورة أفضل، بينما يبقى التنفيذ مرهوناً بالتمويل والإدارة والرقابة.
لماذا لا تصل المياه إلى المزرعة
قد تقع محطة قرب مدينة، فيما توجد الأراضي المحتاجة إلى مياهها على مسافة تجعل الضخ والنقل مكلفين. وقد يتغيّر الطلب الزراعي موسمياً، بينما تستمر المدينة في إنتاج مياه الصرف. لذلك ينبغي أن تبدأ دراسة المشروع بموازنة الكميات والمسافات والتوقيت، لا بالاكتفاء بمقارنة الطاقة التصميمية للمحطة مع الطلب السنوي الإجمالي.
وللمزارع حساب مختلف عن حساب الجهة المموّلة: كم سيدفع؟ هل تصل المياه بانتظام؟ وهل تتلاءم مع محصوله وتجهيزاته؟ إذا كان المصدر البديل أرخص بسبب دعم غير مباشر أو غياب احتساب كلفته البيئية، فلن يتحقّق التحوّل تلقائياً. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى تسعير مفهوم وحوافز محدّدة، مع حماية أصحاب الحيازات الصغيرة من أعباء غير محتملة.
أما السلامة فتفرض مطابقة مستوى المعالجة للاستخدام المقصود. فمتطلّبات نشاط صناعي لا تتطابق بالضرورة مع ري محصول يؤكل نيئاً. كما ينبغي تحديد المسؤول عن أخذ العيّنات، وإعلان النتائج، وإيقاف الإمداد عند عدم المطابقة. ولا يكفي اختبار عند افتتاح المشروع إذا تغيّرت نوعية المياه أو تعطّلت التجهيزات لاحقاً.
معيار النجاح هو الخدمة المستمرة
بالنسبة إلى لبنان، تصلح هذه المقاربة لتقييم أي مشروع معالجة من دون إصدار أحكام غير موثّقة على محطات بعينها. الأسئلة الأساسية هي حجم التدفقات المعالجة فعلياً، واستقرار الكهرباء، وكلفة التشغيل والصيانة، ووجود مستخدم نهائي للمياه. فالطاقة المعلنة على الورق لا تعادل خدمة موثوقة طوال السنة.
وتحتاج العقود إلى توزيع واضح للمسؤوليات بين المشغّل والبلدية والجهة الرقابية والمستخدم. من يتحمّل كلفة العطل؟ من يموّل قطع الغيار؟ وكيف يُعالج إخفاق الجودة؟ هذه تفاصيل قد تبدو إدارية، لكنها تحدّد ما إذا كان الاستثمار سيخفّف شح المياه فعلاً أم يضيف منشأة مكلفة إلى قائمة البنى غير المستثمرة.
وتبقى الشفافية شرطاً لبناء قبول اجتماعي. فالمستخدم يحتاج إلى نتائج فحوص مفهومة وإلى معرفة حدود الاستخدام المسموح. أما الاكتفاء بعبارة أن المياه معالجة فقد يثير شكوكاً أو ثقة زائفة. والأفضل إشراك المزارعين منذ التخطيط، والاستماع إلى مخاوفهم بشأن الجودة والكلفة والتسويق واستمرارية الإمداد طوال الموسم.
اقتصادياً، ينبغي تقييم الكلفة الكاملة للمتر المكعّب الواصل إلى المستخدم، مع احتساب المنافع البيئية وتوفير المياه العذبة. وعندها يمكن المقارنة العادلة مع البدائل. فإعادة الاستخدام ليست حلاً موحّداً لكل مدينة أو مزرعة، لكنها خيار يستحق قراراً مبنياً على بيانات. نجاحه يبدأ حين تصبح المياه المعالجة خدمة قابلة للاعتماد، لا وعداً يتكرّر كلما اشتدّ الجفاف.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.