هوليوود تنقلب على عمالقة التكنولوجيا في موجة من الأفلام

(CNN)-- رأى سام ألتمان أن فيلم "Artificial" المرتقب، والذي يتناول سيرته الذاتية يبدو سيئاً للغاية، وقال مؤسس شركة "OpenAI" مؤخراً لشبكة CNBC تعليقاً على الفيلم المقرر عرضه في موسم أعياد الميلاد: "لقد شاهدتُ الإعلان الترويجي للفيلم. يبدو فيلماً مريعاً، لكنني أقدّر إبداع القائمين عليه وأدعم ذلك حقاً".
ويُعد هذا الفيلم، الذي يخرجه لوكا غوادانيينو ويؤدي فيه أندرو غارفيلد دور ألتمان، واحداً من سلسلة أفلام كبرى تتناول هذا العام تلك المجموعة الصغيرة من مؤسسي شركات التكنولوجيا غريبي الأطوار، الذين باتوا يهيمنون بشكل متزايد على الحياة العامة والخاصة.
وفي الأسابيع المقبلة، سيشاهد الجمهور أيضاً جيريمي سترونغ في دور مارك زوكربيرغ الذي يظهر متسلطا ومحرجا للغاية في فيلم "The Social Reckoning"، وهو التتمة التي طال انتظارها لفيلم "The Social Network" للمخرج آرون سوركين.
كما سيُعرض فيلم "Musk"، وهو وثائقي شامل مدته 4 ساعات للمخرج أليكس غيبني، يتناول حياة أغنى رجل في العالم. وهناك أيضاً قصة سقوط سام بانكمان-فريد، مؤسس منصة العملات المشفرة المسجون حالياً، والتي ستُعرض قريباً على نتفليكس في مسلسل بعنوان "The Altruists"، بالإضافة إلى فيلم وثائقي من إخراج ناثان فيلدر ولانس أوبنهايم يتناول قصة إليزابيث هولمز، مؤسسة شركة "ثيرانوس"، التي سقطت في هوة الفضيحة... إنها موجة عارمة من الأفلام التي تتمحور حول عالم التكنولوجيا.
اعتاد الناس اعتبار مؤسسي شركات التكنولوجيا منقذين لهم، واعتبروهم عباقرة قيل إنهم سيستهلون حقبة جديدة من التواصل والإنتاجية. أما الآن، فقد فقدوا بريقهم في ظل مواجهة هذا القطاع لمرحلة من المحاسبة والتدقيق، على الأقل في نظر الرأي العام. فمع تصدّر الذكاء الاصطناعي لعناوين الأخبار بقصص تثير الرعب يوماً بعد يوم، باتت الغالبية العظمى من الأمريكيين تعبّر عن قلقها، وليس حماسها، تجاه الـAI ومراكز البيانات، وذلك وفقاً لاستطلاع حديث أجرته شبكة CNN .
وأشارت كاتي دروموند، رئيسة تحرير مجلة "WIRED"، إلى أن هذا الاتجاه السينمائي الذي يتناول شخصيات التكنولوجيا يعكس "استياءً مبرراً لدى الكثير من الأمريكيين؛ فهم يرون هذه النخب -أولئك الأشخاص الذين يعيشون في فقاعة منعزلة، والذين يملكون ثروات طائلة تفوق الخيال- يفرضون عليهم تقنيات لا يرغبون بالضرورة في وجودها في حياتهم".
وأضافت قائلة: "يبحث الناس عن منافذ للتعبير عن هذا الشعور، لكن تلك المنافذ قليلة للغاية".
صعود الآلات
يُعد فيلم "الشبكة الاجتماعية" "The Social Network" العمل السينمائي التأسيسي لنمط "أباطرة التكنولوجيا الشباب" "tech bros"، ونقطة انطلاق هذا النوع من الأفلام. ويتتبع الفيلم، الذي كتبه سوركين ورُشح لجائزة أفضل فيلم عام 2010، مسيرة زوكربيرغ منذ أيامه في جامعة هارفارد، حيث اتسم سلوكه بالارتباك الاجتماعي، وبدأ في تأسيس ما سيصبح لاحقاً موقع فيسبوك، الذي كان في الأصل موقعاً لتقييم زميلاته في الدراسة بناءً على جاذبيتهن.
تظهر شخصية زوكربيرغ الشاب، التي جسدها جيسي آيزنبرغ، كشخص فظ وأناني يسعى لتحقيق طموحه؛ إذ يعامل حبيبته بوقاحة ويخون صديقه المقرب، الذي لعب دوره غارفيلد، في أول محطة له نحو الشهرة المرتبطة بأوساط التكنولوجيا.
ومع ذلك، تتمتع هذه الشخصية التي لا تلتزم بمعايير البطل التقليدي بطاقة صبيانية وجريئة تثير التعاطف أحياناً، مما يجعل متابعتها أمراً ممتعاً، ورغم ذلك، لم يعجب الفيلم زوكربيرغ، حيث صرح بأنه وجده "مؤلماً".
وفي المقابل، يجسد الممثل جيريمي سترونغ شخصية زوكربيرغ في مرحلة عام 2021 تقريباً، أي بعد أن أصبح مليارديراً لأكثر من عقد من الزمان، وواجه سلسلة من الفضائح التي جعلت أفعال الغدر والخيانة المصورة في فيلم "الشبكة الاجتماعية" تبدو وكأنها مجرد لعب أطفال.
وتتسم نسخة سترونغ من زوكربيرغ، بما في ذلك قصة شعره القصيرة جداً عند الجبهة، بجمود يبعث على الضيق؛ إذ يظهر كطاغية منفر، وهي صورة أكثر قتامة تعكس كيف انتهت تماماً مرحلة شهر العسل في العلاقة مع قطاع التكنولوجيا.
وقالت دروموند: "لقد تآكل ذلك الحماس والإيجابية والثقة التي كانت سائدة لدى الجمهور -وإن لم تكن شاملة- لدرجة يبدو معها الوضع الآن غير قابل للإصلاح".
وأشار جو ستريت، الباحث السينمائي ومؤلف كتاب "سينما وادي السيليكون"، إلى أن تصوير هوليوود لقطاع التكنولوجيا قد مر بعدة مراحل. ففي أوائل العقد الثاني من القرن الـ21 ، تلك الفترة الذهبية التي شهدت انتقاد زوكربيرغ بشدة في فيلم "الشبكة الاجتماعية"، وفي الوقت ذاته اختياره "شخصية العام" من قبل مجلة "تايم"، صوّرت مسلسلات مثل "وادي السيليكون" على شبكة HBO مؤسسي شركات التكنولوجيا كأشخاص مهووسين بالتقنية ومثيرين للشفقة. كما قدم فيلم السيرة الذاتية "جوبز" عام 2013 شخصية ستيف جوبز كعبقري بطبيعة معقدة.
ولكن في أواخر العقد ذاته، ظهرت سلسلة من الأفلام التجارية الرائجة التي قدمت مؤسسي شركات التكنولوجيا في أدوار الأشرار، بما في ذلك أفلام مثل " Jurassic World"، و" Venom" و" Terminator Genisys"، ويُطلق "ستريت" على هذه الشخصية النمطية وصف "رائد التكنولوجيا الرأسمالي المتوحش"، وهو شخص يضع الربح فوق الأخلاق وحياة البشر.
وفي الوقت ذاته، بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى تواجه أولى موجات رد الفعل العنيف ضدها؛ إذ اندلعت فضيحة "كامبريدج أناليتيكا" عام 2018، كاشفةً كيف استُخدمت البيانات الشخصية لملايين مستخدمي فيسبوك دون موافقتهم، مما أثار تدقيقاً عاماً واسع النطاق.
وفي الآونة الأخيرة، جسّد الممثل إد نورتون شخصية ملياردير يشبه إيلون ماسك في فيلم "Glass Onion: A Knives Out Mystery"، بينما لعب تايكا وايتيتي دور رئيس تنفيذي نرجسي ومحتال في فيلم "Free Guy".
ورأى ستريت أن القاسم المشترك بين هذه الأفلام هو أن الأشرار يلقون جزاءهم العادل، فعلى سبيل المثال، تنتهي حياة مؤسس شركة التكنولوجيا الجشع الذي لعب دوره عرفان خان في فيلم "Jurassic World" بأن يصبح طعاماً للديناصورات. وعلق على ذلك قائلاً: "ثمة نوع من تحقيق الرغبات هنا"؛ ففي هذه الأفلام، يظهر المؤسسون الخياليون في نهاية المطاف كبشر محدودي الذكاء، وستتكفل الطبيعة بإسقاطهم.
والآن، تظهر أفلام "رواد التكنولوجيا" لعام 2026، وهي تختلف اختلافاً جوهرياً؛ فبدلاً من السخرية من مؤسسي التكنولوجيا عبر قصص خيالية، تتناول هذه الأفلام القصص الواقعية لرجال باتوا يتمتعون بنفوذ أقوى من أي وقت مضى، بعيداً عن تلقي أي عقاب.
لا يروق للمؤسسين هذا "النهش السينمائي" لسمعتهم، إذ وصف ماسك الفيلم الوثائقي الذي يتناوله بأنه "هجوم تشهيري" يفتقر إلى النزاهة.
أما زوكربيرغ، فلم يعلّق بعد على فيلم "The Social Reckoning" رغم أنه لا يزال يصرّ على أن فيلم "الشبكة الاجتماعية" قد أخطأ تماماً في تصوير دوافعه، وإن كان قد أصاب في تصوير خياراته المتعلقة بالملابس.
ويبدو أن إنتاج أفلام عن عمالقة التكنولوجيا يزداد تعقيداً مع توسع هذا القطاع وهيمنته المتزايدة على الاقتصاد، بما في ذلك صناعة الترفيه.
ولنأخذ فيلم "Artificial" كمثال؛ إذ كان من المقرر في البداية أن تتولى توزيعه شركة " Amazon MGM Studios"، وهي الذراع المعنية بالأفلام والتلفزيون لدى عملاق التكنولوجيا. لكن "أمازون" تخلت عن الفيلم في يونيو/ حزيران الماضي، معللة ذلك بأنه "سيحظى بفرصة أفضل إذا تولى توزيعه استوديو آخر". وجاء هذا القرار بعد أشهر قليلة من إبرامها شراكة ضخمة مع "OpenAI"، وفي النهاية، تولت شركة توزيع أصغر بكثير، وهي "نيون"، إنقاذ الفيلم، ومن المقرر عرضه لأول مرة في دور السينما خلال عيد الميلاد.
ووصفت دروموند إنقاذ فيلم "Artificial" بأنه أمر "يبعث على الأمل"، لكنها أشارت في الوقت نفسه إلى وجود "ما يشبه إشارات التحذير التي تنبئ بأن الأمور ليست على ما يرام".
ومن جانبه، يبدو أن ألتمان يدرك الأسباب التي قد تجعل العناوين الصحفية التي تتحدث عن "نهاية العالم بسبب الذكاء الاصطناعي" تحوله إلى هدف للسخرية، كما أنه يتقبل المزاح الذي يطاله شخصياً، أو هكذا يقول. إذ صرح لشبكة CNBC قائلاً: "أتفهم سبب شعور الناس بالقلق. وإذا كانوا بحاجة إلى إسقاط هذا القلق على شخص ما، أو التنفيس قليلاً عن أنفسهم عبر السخرية مني، فلا يزعجني ذلك".
وفي ظل التهديد الذي يشكله الذكاء الاصطناعي بالقضاء على الوظائف الإبداعية، قال ستريت، الباحث المتخصص في شؤون السينما، إن "هوليوود تواجه تهديداً حقيقياً من وادي السيليكون على مستوى الصناعة". وأضاف أن الأفلام التي تنتقد مؤسسي شركات التكنولوجيا "تبدو وكأنها تحذير لنا، لكنها في الوقت نفسه وسيلة لإعادة التأكيد على أهمية هوليوود في ثقافتنا". في حين تخشى استوديوهات الإنتاج -من ناحية- إثارة غضب قادة قطاع التكنولوجيا عبر تصويرهم بصورة سلبية، فإنها -من ناحية أخرى- تدرك بوضوح اهتمام الجمهور بقصص تدور حول بعض أكثر الرجال نفوذاً في عصرنا الحالي.
ورأت كاتي دراموند أن هذا الأمر قد يمثل وسيلة تتيح للناس العاديين تفريغ مشاعر "الغضب وخيبة الأمل والاغتراب" تجاه عمالقة التكنولوجيا الذين يبدون وكأنهم يتمتعون بقوة مطلقة، ولا سيما تجاه الانتشار المتسارع للذكاء الاصطناعي.
وتساءلت قائلة: "أليس من الرائع أن تذهب مساء يوم الجمعة لمشاهدة فيلم يتيح لك توجيه بعض ذلك الغضب نحو شخصية مارك زوكربيرغ التي يؤديها جيريمي سترونغ، أو شخصية سام ألتمان التي يجسدها أندرو غارفيلد؟ إنك ترغب في الشعور بأن غضبك مبرر وفي محله، وأعتقد أن هذه الأفلام ستوفر للجمهور متنفساً لذلك".
وفي نهاية المطاف، لطالما أحبت هوليوود شخصيات الأشرار، وأضافت دراموند: "إن شخصيات مثل مارك زوكربيرغ وسام ألتمان وإيلون ماسك -ولأسباب وجيهة للغاية- تشكل نماذج ممتازة للأشرار في الأعمال السينمائية".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.