التجديد النصفي.. سباقات انتخابية تحسم السيطرة على الكونجرس الأميركي

اقتربت اللحظة التي لطالما خشي الحزب الجمهوري توابعها، فعلى مدار أشهر حذّر نواب جمهوريون ومسؤولون في البيت الأبيض، من خطورة فوز الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في الولايات المتحدة.
وخلال كلمة أمام أحد أكبر التجمعات السياسية للمحافظين والمسيحيين الإنجيليين "مؤتمر تحالف الإيمان والحرية"، وجه رئيس مجلس النواب مايك جونسون، خطابه للحاضرين، قائلاً: "إذا فاز الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي.. ستستهدف لجان الملاحقة نصف الموجودين في هذه الغرفة".
وفي طرح غير معهود في المشهد السياسي الأميركي، تعهد الرئيس دونالد ترمب، بمكافأة بقيمة 5 آلاف دولار لكل أميركي في سن التصويت في حال فوز الجمهوريين.
وعلى بعد نحو 6 أسابيع من الانتخابات، تدخل معركة السيطرة على الكونجرس مرحلتها الحاسمة، بعدما أعادت ولايات عدة رسم خرائط دوائر مجلس النواب في سابقة نادرة خلال منتصف العقد.
وبينما يحتفظ الجمهوريون بأغلبية ضئيلة في مجلس النواب، فإن الخرائط الجديدة في 8 ولايات، قد تمنح الحزب ما يصل إلى نحو 19 مقعداً إضافياً، مقابل مكاسب محتملة للديمقراطيين في كاليفورنيا ويوتا. ومع ذلك، ثمة خبراء يعتقدون أن الخرائط وحدها لن تحسم المعركة الانتخابية.
اختلافات هيكلية
في 3 نوفمبر المقبل، تنطلق الانتخابات النصفية، فيما يُسيطر الحزب الجمهوري على مجلس النواب بأغلبية ضيقة تبلغ نحو 218 مقعداً مقابل 212 للديمقراطيين، بينما يجلسون على 53 مقعداً في مجلس الشيوخ مقابل 47 للديمقراطيين.
وقد يوحي إجراء انتخابات النواب والشيوخ تحت عنوان انتخابات التجديد النصفي، أنهما عمليتان متشابهتان، لكنهما ليسا كذلك.
في مجلس النواب، يُعاد انتخاب جميع الأعضاء البالغ عددهم 435 كل عامين، ما يجعل هذه الانتخابات بمثابة استفتاء على أداء الرئيس والحزب الحاكم. وأي تحول بالمزاج الشعبي، قد يؤدي إلى خسائر كبيرة دفعة واحدة.
أما في مجلس الشيوخ، فيُنتخب نحو ثلث الأعضاء فقط في كل دورة، أي 35 مقعداً، ما يجعل نتائجه أقل ارتباطاً بالمزاج العام وأكثر تأثراً بطبيعة المقاعد المطروحة.
وأمام هذه الأغلبية الهشة، رأى الباحث السياسي ومستطلع الآراء الانتخابية، زاك مكيري، أن الجمهوريين يواجهون "خسارة شبه مؤكدة" في مجلس النواب.
واعتبر مكيري خلال حديثه لـ"الشرق"، أن الحزب الديمقراطي "في وضع أفضل للسيطرة على الكونجرس في عام 2027، مضيفاً: "بينما تقترب احتمالات فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس الشيوخ من 50-50، فإن فرصهم في الفوز بأغلبية مجلس النواب أقوى بكثير".
وأشار إلى أن نسبة تأييد ترمب الحالية منخفضة للغاية، وقد تحسنت فرص الديمقراطيين في السيطرة على مجلس الشيوخ بشكل ملحوظ خلال الفترة الماضية، لافتاً إلى أنه قبل عام، كان يُفترض أن يحتفظ الجمهوريون بمجلس الشيوخ، لكن مع انخفاض نسبة تأييد الرئيس الأميركي، تحسّنت فرص الديمقراطيين بشكل كبير خلال الأشهر القليلة الماضية.
11 سباقاً يحسم السيطرة على مجلس الشيوخ
في سعيهم إلى السيطرة على مجلس الشيوخ، يحتاج الديمقراطيون إلى الفوز بـ4 ولايات، مع الحفاظ على مقعديهم الأكثر سخونة في ميشيجان وجورجيا.
ومن بين نحو 11 سباقاً رئيسياً قد يحدد مصير المجلس، تبرز ولايات مين، ألاسكا، وأيوا، وأوهايو، وتكساس، باعتبارها الأكثر تنافسية، بما في ذلك مقعدين على الأقل في ولايات فاز بها ترمب بفارق كبير في عام 2024.
ورّجح الباحث السياسي في مركز السياسات التابع لجامعة فيرجينيا، جون مايلز كولمان، أن ينتزع الديمقراطيون، الذين يمتلكون حالياً 47 مقعداً في المجلس، مقعد ولاية نورث كارولاينا، مما يرفع رصيدهم إلى 48 مقعداً.
وقال كولمان خلال حديثه لـ"الشرق"، إن الديمقراطيين يحتاجون للفوز بـ3 من الولايات التنافسية الخمس للوصول إلى أغلبية 51 مقعداً.
لكن ما يُصّعب مهمة الديمقراطيين هو أن تلك الولايات باستثناء مين، صوتت لصالح ترمب في المرات الثلاث السابقة، لذلك يرى مكيري أنه على الديمقراطيين تجاوز "تضاريس" سياسية صعبة ومعادية.
ومع ذلك، لا يستبعد قدرتهم على تحقيق المهمة، قائلاً إن "لدى الديمقراطيين مرشحين يتمتعون بتمويل جيد في كل تلك الولايات، كما أن شعبية ترمب لا تبدو في تزايد".
وتفترض حسابات مكيري أيضاً، أن يحتفظ الديمقراطيون بجميع مقاعدهم الحالية، وتابع: "هناك مقاعد في ميشيجان ونيو هامبشاير يشغلها ديمقراطيون، فيما يبذل الجمهوريون جهوداً جدية للفوز بها. ومع ذلك، وبالنظر إلى المناخ السياسي العام، أعتقد أن كلتا الولايتين ستبقيان في النهاية بيد الديمقراطيين".
من جانبه، رأى أستاذ الشؤون الحكومية في جامعة كورنيل، ريتشارد بنسل، أن السباقين اللذين قد يمثلان أفضل مؤشر على احتمالية سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ في ولايتي أيوا وألاسكا، لأنهما ولايتان تميلان تقليدياً إلى الجمهوريين، وبالتالي، فإن انتزاع الديمقراطيين أحد مقعديهما سيُشير إلى اتساع نطاق المنافسة إلى ولايات ذات قاعدة جمهورية راسخة.
وفي حديث لـ"الشرق"، قال بنسل، إن الديمقراطيين إذا تمكنوا من الفوز بأي من هذين المقعدين، فإن احتمالية سيطرتهم على مجلس الشيوخ تصبح كبيرة.
لكن، في المقابل، استبعد الاستراتيجي الجمهوري والمرشح السابق لمجلس الشيوخ، إيلي بريمير، ذلك الاحتمال تماماً.
وقال بريمير لـ"الشرق"، إن الخريطة الانتخابية لسباقات الشيوخ أكثر حسماً من المزاج العام أو أداء الأحزاب، موضحاً أن المقاعد المطروحة في هذه الدورة لا تصب في مصلحة الديمقراطيين، إذ تضعهم في موقع دفاعي بولايات صعبة، تميل تاريخياً للجمهوريين.
وأضاف أن "السباقات متقاربة للغاية، ويحتاج الديمقراطيون من أجل الفوز أن يخسر الجمهوريون، الذين يتمتعون بأغلبية مريحة نسبياً، عدة مقاعد، وهو سيناريو غير مرجح، مقارنة باحتمالية خسارة الجمهوريين لمجلس النواب".
4 مقاعد تكفل سيطرة الديمقراطيين بمجلس النواب
يتطلب تحقيق الأغلبية في مجلس النواب، الفوز بـ218 صوتاً. ويحتاج الديمقراطيون إلى 4 مقاعد جديدة لانتزاع السيطرة من الجمهوريين.
أما الجمهوريون، يحتاجون للفوز في 9 سباقات انتخابية متقاربة، بالإضافة إلى تلك التي تميل لصالحهم، لكي يحافظوا على سيطرتهم.
ويسيطر الجمهوريون الآن على مجلس النواب بـ218 مقعداً، بالإضافة إلى عضو مستقل انضم إلى تكتل الحزب الجمهوري، في حين يمتلك الديمقراطيون 214 مقعداً، ويوجد مقعدان شاغران.
وعلى الرغم من أن جميع مقاعد مجلس النواب الـ435، مطروحة للانتخاب، فإن عدد الدوائر الحاسمة قليل نسبياً.
وأشار كولمان، في هذا السياق، إلى أن المنافسة الحقيقية تتركز في 43 دائرة فقط، أي حوالي 10% من المجلس. وهذه الدوائر إما أن يكون السباق فيها متقارب للغاية، أو هناك ميل بسيط فقط لأحد الحزبين.
وأوضح الباحث في جامعة فيرجينيا، خلال حديثه لـ"الشرق"، أن الجمهوريين حالياً يسيطرون على المقاعد الأربعة في ولاية أيوا، لكن 3 من هذه المقاعد يمكن أن يفوز بها أي من الحزبين.
وأضاف: "في فيرجينيا، هناك مقعدان على الأقل يمكن للديمقراطيين قلبهما، لكنهم لا يحتاجون بالضرورة إلى الفوز بمقعدين في هذه الولاية للسيطرة على مجلس النواب، قد يكفيهم قلب مقعد واحد فقط، بينما الفوز بمقعدين أو 3 سيعني أن أداءهم في الولاية كان قوياً جداً".
من جانبه، لفت بنسل، الذي تُركز أبحاثه على التطور السياسي الأميركي والكونجرس والانتخابات، إلى أن التوقعات تشير بقوة إلى احتمالية سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب، معتبراً أن "الديمقراطيين قد يكسبون أكثر من 20 مقعداً، وهو عدد يفوق بكثير المقاعد الأربعة المطلوبة لتحقيق الأغلبية".
وأشار، خلال حديثه لـ"الشرق"، إلى أنه من أهم الدوائر التي يجب مراقبتها هي الواقعة على طول نهر ريو جراندي في ولاية تكساس، موضحاً أن الناخبين ذوي الأصول الإسبانية يشكلون نسبة كبيرة فيها، وإذا اتجهت أصواتهم بقوة نحو الديمقراطيين، سيكون ذلك "مؤشراً إيجابياً" للحزب على المستوى الفيدرالي، ولا سيما بالنسبة لسباق مجلس الشيوخ في تكساس الذي يشهد منافسة محتدمة للغاية.
ويستند الباحث السياسي زاك مكيري، إلى قاعدة انتخابية تاريخية، تقول إن "الحزب الحاكم يخسر مقاعد في مجلس النواب خلال انتخابات التجديد النصفي"، لافتاً إلى أن حرب إيران، وما ترتب عليها من تداعيات اقتصادية صعبة يدعم هذا النمط من التصويت، معتبراً أن "احتمال فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب مرتفع للغاية".
في محاولته لتجنب الخسائر في انتخابات التجديد النصفي لعام 2027، طالب الرئيس الأميركي المشرعين الجمهوريين، بإعادة رسم الدوائر الانتخابية لصالحهم.
إعادة رسم الدوائر
وعادةً ما تُجرى عملية إعادة ترسيم الدوائر كل عشر سنوات، لكن تكساس قررت تعديل الخرائط في منتصف العقد، ونتيجة لذلك، اتخذت ولايات أخرى مثل كاليفورنيا، وإلينوي، وميسوري، ونورث كارولاينا، وأوهايو، ويوتا، وفلوريدا، ولويزيانا، خطوات مماثلة.
وعندما بدأت "حروب إعادة رسم الدوائر" في عام 2025، طُرحت سيناريوهات متشائمة للغاية بالنسبة للديمقراطيين، تشير إلى أن الجمهوريين قد يكسبون ما يصل إلى 19 مقعداً بفضل هذه العملية وحدها.
ورغم أن إعادة رسم الدوائر في منتصف العقد ستصبّ في مصلحة الجمهوريين، فإن الباحث السياسي، جون مايلز كولمان، رجّح ألا يحقق الجمهوريون سوى حوالي 5 مقاعد إضافية، موضحاً أن "هذه المكاسب لا تكفي لضمان احتفاظهم بالأغلبية بعد انتخابات 2026".
ويتفق بنسل مع كولمان، متوقعاً أن يتكبد الجمهوريون خسائر كبيرة رغم عملية إعادة رسم الدوائر.
وقال أستاذ الشؤون الحكومية، ريتشارد بنسل، إن عملية إعادة رسم الدوائر كانت ذات تأثير كبير في ولاية تكساس، حيث حقق الجمهوريون مكاسب ملحوظة، وفي كاليفورنيا، حيث رد الديمقراطيون بتحقيق مكاسب خاصة بهم.
وأضاف: "كما ستمنح الخرائط المُعاد رسمها الجمهوريين مكاسب طفيفة في عدد من الولايات الجنوبية، وقد تشهد فلوريدا المزيد من المكاسب لهم، لكن السباقات الانتخابية هناك تتسم بالتعقيد".
وفي تعليقه على التعقيد الذي تتسم به السباقات الانتخابية، قال الباحث السياسي، زاك مكيري، مستنداً إلى نموذج ولاية تكساس، إنه "في الولاية التي تميل تاريخياً إلى الجمهوريين، وقّع الحاكم جريج أبوت، في أغسطس الماضي، على خريطة معدلة لمجلس النواب، قد تُساعد الجمهوريين على الفوز بـ5 مقاعد إضافية.
وتابع: أن "الجمهوريين كانوا يأملون في البداية كسب 5 مقاعد فيها، لكن نظراً لأن الناخبين من أصول إسبانية يَبدون وكأنهم يعودون لدعم الديمقراطيين، فمن المرجح ألا يكسب الجمهوريون سوى مقعدين أو 3 في تكساس على أقصى تقدير".
أقرب السيناريوهات
اتفق الخبراء الذين تحدثوا لـ"الشرق" على أن انتخابات التجديد النصفي قد تشهد أحد سيناريوهين: إما "موجة زرقاء" في غرفتي الكونجرس، أو على الأقل سيطرة ديمقراطية على مجلس النواب.
ويعتقد أستاذ الشؤون الحكومية، ريتشارد بنسل، أن احتمالية سيطرة الجمهوريين على كلا المجلسين تقل عن 10%، واحتمالية سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب وخسارتهم مجلس الشيوخ تقل عن 1%.
في المقابل، رأى بنسل أن احتمالية فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلس النواب دون مجلس الشيوخ تبلغ حوالي 65%، واحتمالية سيطرة الديمقراطيين على كلا المجلسين تبلغ حوالي 25%، مستطرداً: "وقد تكون هذه التوقعات أقل من حجم المكاسب الديمقراطية الفعلية".
من جانبه، استبعد الباحث السياسي في مركز الدراسات السياسية التابع لجامعة فيرجينيا، جون كولمان، احتفاظ الجمهوريين بمجلس النواب، معتبراً أنه في حال حدوث ذلك، ستكون "المفاجأة الكبرى".
أما بالنسبة لمجلس الشيوخ، رأى كولمان، أن الوضع متكافئ للغاية حيث تبدو "النتيجة غير محسومة"، متسائلاً: "هل ستصوت فعلاً بعض الولايات التي تميل عادةً للجمهوريين، مثل ألاسكا وتكساس، لصالح مرشحين ديمقراطيين يتمتعون بجاذبية وقبول لدى الناخبين. لا أعرف!".
من جانبه، قال الباحث السياسي ومستطلع الآراء الانتخابية، زاك مكيري، إن فوز الديمقراطيين بالكونجرس أو إحدى غرفتيه "قد يشكل عائقاً أمام الرئيس ترمب خلال العامين المقبلين".
وأضاف مكيري، أن الفوز بأغلبية مجلس النواب فقط "سيشكل عقبة كبيرة أمام أجندة ترمب، ومن المستبعد جداً أن تتمكن أي من مبادراته الرئيسية من المرور خلال العامين الأخيرين من ولايته"، لافتاً إلى أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس الشيوخ ستكون "بالغة الأهمية كوسيلة لمنع تثبيت مرشحي ترمب المثيرين للجدل، لا سيما في حال وجود شواغر في المحكمة العليا".
واعتبر أن "كل هذا يجعل من غير المرجح تمكن ترمب من تمرير تشريعات جديدة هامة، كما يزيد من احتمالية لجوئه إلى استخدام سلطته التنفيذية في الحكم ومحاولة تجاوز الكونجرس، في حال فوز الديمقراطيين".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.