إسرائيل.. حرب إيران والأحزاب العربية ورسائل ترمب تحدد سيناريوهات تشكيل الحكومة

تفرض نتائج الانتخابات الإسرائيلية مزيداً من التعقيد على المشهد السياسي، في ظل عجز معسكري رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ورئيس الأركان الإسرائيلي السابق جادي آيزنكوت عن حسم أغلبية برلمانية واضحة، وتباين المواقف بشأن إشراك الأحزاب العربية في الحكومة المقبلة.
وبينما تتعدد السيناريوهات المطروحة لتشكيل الائتلاف الحاكم، من استمالة نواب من المعسكر الآخر إلى تشكيل حكومة وحدة أو الذهاب إلى انتخابات جديدة، تدور معركة موازية على التكليف ورئاسة البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) والسيطرة على لجانه، بما قد يؤثر في مستقبل نتنياهو السياسي، وخيارات إسرائيل في المرحلة المقبلة.
وتتداخل هذه الحسابات مع جدل بشأن اتهامات بوجود تأثير أجنبي في الانتخابات، واحتمالات تجدد المواجهة مع إيران، إلى جانب ضغوط أميركية لتشكيل حكومة قادرة على التعامل مع ملفات إقليمية.
وبعد انتهاء لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية من فرز جميع الأصوات في انتخابات الكنيست، تبدو طريقة قراءة الأرقام وكأنها تحمل مواقف سياسية ورغبات وتمنيات لدى قارئها، أكثر مما هي عرض لنتائج الانتخابات.
وتكشف مراجعة سريعة للعناوين الرئيسية تبايناً في قراءة نتائج الانتخابات، يعكس الانقسام السياسي داخل إسرائيل؛ إذ وصف بعضها النتائج بأنها "انتصار معسكر نتنياهو" بحصوله على 53 مقعداً، مقابل 48 لمعسكر آيزنكوت و19 للأحزاب العربية، فيما اعتبرتها عناوين أخرى "خسارة لمعسكر نتنياهو"، مشيرة إلى حصول معارضيه على 67 مقعداً (معسكر آيزنكوت + الأحزاب العربية).
وهناك إجماع على أن نتائج الانتخابات أخذت إسرائيل إلى مزيد من التعقيدات. فالتحفظ على إشراك الأحزاب العربية في الحكومة أو الائتلاف لا يقتصر على معسكر نتنياهو؛ إذ صرّح قادة معسكر آيزنكوت، باستثناء زعيم حزب "الديمقراطيون" يائير جولان، قبل الانتخابات، برفض تشكيل حكومة بمشاركة الأحزاب العربية، أو بالاعتماد على دعمها من الخارج.
وجاءت نسبة المشاركة العربية مرتفعة جداً، بما تجاوز تقديرات ما قبل الانتخابات والاستطلاعات. كذلك، لم تؤخذ مواقف المصوتين التقليديين لحزب الليكود، وتحديداً اليهود من أصول عربية، في الاعتبار بالقدر الكافي، ما أسهم في الوصول إلى الوضع القائم.
4 سيناريوهات لتشكيل الحكومة
- حكومة برئاسة نتنياهو عبر استمالة معارضين
وهو سيناريو يحمل إشكاليات قانونية بحسب طريقة انتقال النواب أو انشقاقهم، وربما يوجه "ضربة إضافية لمصداقية" السياسة والسياسيين في إسرائيل، لكنه يبقى ممكناً ضمن ضوابط قانونية.
وتُعد استمالة نواب من المعسكر المنافس إحدى وسائل تغيير ميزان القوى في إسرائيل، سواء باستقطاب نائب منفرد، أو مجموعة منشقة، أو حزب كامل، لكنها لا تضمن تلقائياً تشكيل حكومة؛ فحرمان الخصم من الأغلبية يختلف عن تأمين أصوات لحكومة بديلة.
وقانونياً، يستطيع النائب التصويت لحكومة المعسكر الآخر، لكن إذا اعتُبر منسحباً من كتلته ولم يستقل قريباً من انسحابه، فقد يُمنع من تولّي وزارة خلال ولاية الكنيست، ومن الترشح بالانتخابات التالية ضمن قائمة لحزب ممثل في الكنيست المنتهية ولايته. وقد يشمل المقابل وعداً بمنصب أو بموقع انتخابي، بينما لا تُعد كل مخالفة لموقف الكتلة انشقاقاً تلقائياً.
أما الانشقاق المعترف به، فمن مساراته انفصال ثلث أعضاء الكتلة على الأقل، وبحد أدنى نائبين، بموافقة لجنة الكنيست. ويختلف ذلك عن انضمام حزب كامل باتفاق ائتلافي.
- حكومة أقلية برئاسة آيزنكوت
وهو سيناريو يتحقق عبر تجاوز التحفظات والاعتماد على الأحزاب العربية، أو محاولة إشراك أحد الأحزاب العربية واستمالة أحد الأحزاب الدينية لإتمام المهمة.
- حكومة وحدة وطنية
بات عدد من الكتّاب والمحللين في وسائل الإعلام الإسرائيلية يقدمونها حلاً للمعضلة القائمة وأداة للحد من الاستقطاب السياسي والاجتماعي، خصوصاً مع التحفظ على الذهاب إلى جولات انتخابية جديدة، وما يُنقل عن تأييد الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوج والرئيس الأميركي دونالد ترمب لهذا الخيار.
وقد تكون حكومة كهذه قائمة على التناوب، بمعنى تقاسم الفترة حتى الانتخابات المقبلة بين رئيسَي المعسكرين، لكن التجارب السابقة مع نتنياهو لم تكن ناجحة؛ إذ يتهمه معارضوه بافتعال أزمات أدت إلى انهيار التحالفات معهم وبقائه في السلطة.
- انتخابات جديدة
وهذا السيناريو سيحدث إذا فشلت جميع محاولات تشكيل الحكومة، ما يعيد تجارب العقد الماضي، التي تتلخص في انتخابات إضافية بالطريق إلى انتخابات أخرى، بدلاً من أن تكون الانتخابات الحالية حاسمة.
معركة السيطرة على الكنيست
لكن المعركة الأساسية في إسرائيل هي معركة التكليف والسيطرة على عمل الكنيست، وبدأت فور انتهاء فرز الأصوات.
ومن المنتظر أن تنشر لجنة الانتخابات المركزية النتائج الرسمية بحلول 4 نوفمبر، وأن يجري الرئيس الإسرائيلي مشاوراته مع الأحزاب التي دخلت الكنيست لمعرفة مرشحيها لتشكيل الحكومة.
وبعدها، يُكلّف أحد أعضاء الكنيست بالمهمة، استناداً إلى تقديره لفرصه في تشكيل حكومة. ويُعد عدد التوصيات عاملاً مهماً، لكنه لا يمنح صاحبه حقاً تلقائياً في التكليف.
وفي 10 نوفمبر، يُنتظر أن يبدأ الكنيست الجديد عمله ويؤدي أعضاؤه اليمين القانونية. ولا يمنح التكليف صاحبه حقاً تلقائياً في إدارة الكنيست ورئاسته ولجانه وجدول أعماله؛ لكنه يمنحه موقعاً مهماً في التفاوض على ترتيب عمله. أما السيطرة عليه، فتتطلب بناء أغلبية برلمانية.
وهذه، عملياً، هي المعركة الحاسمة من وجهة نظر المعسكرين، وذلك لثلاثة أسباب:
أولاً، لا تنطبق التحفظات على الشراكة الحكومية بالضرورة على التعاون البرلماني مع الأحزاب والنواب العرب. فطبيعة العمل البرلماني تفرض على الأحزاب والمعسكرات التعامل مع مختلف أعضاء الكنيست لتسيير أعمالها، وبالتالي يمكن تنسيق خطوات وتصويتات مع النواب العرب، حتى من جانب أحزاب ترفض الاعتماد عليهم لتشكيل الحكومة.
ثانياً، إذا نجح معسكر آيزنكوت في بناء أغلبية برلمانية، فسيتمكن من انتخاب رئيس جديد للكنيست بدلاً من أمير أوحانا، المنتمي إلى الليكود، والتأثير في تشكيل اللجان وجدول الأعمال. وقد يتيح له ذلك العمل على إلغاء قوانين أُقرت في عهد نتنياهو، بينها قوانين "التعديلات القضائية"، التي يصفها معارضوها بأنها "انقلاب قضائي".
وربما يكون الأهم محاولة سن "قانون المتهم"، لمنع تكليف شخص يخضع للمحاكمة بتهم جنائية بتشكيل الحكومة. وقد يؤثر ذلك في مستقبل نتنياهو السياسي إذا فشلت محاولات تشكيل الحكومة واتجهت إسرائيل إلى انتخابات إضافية، لكن هذا الأثر سيعتمد على صيغة القانون وموعد تطبيقه ومدى صموده أمام الطعون القضائية.
وهذا يعني أن المعركة على مستقبل نتنياهو السياسي باتت آنية، ولا ترتبط فقط بتشكيل الحكومة المقبلة.
ثالثاً، يمنح التكليف آيزنكوت ومعسكره وقتاً للمناورات السياسية والمفاوضات مع الأحزاب الدينية. وإذا نجحت هذه المفاوضات، وتحديداً في التوصل إلى تسوية بشأن قانون التجنيد، فقد يتراجع اعتماده على الأحزاب العربية، وتخف حدة الاعتراضات داخل معسكره على تشكيل حكومة بأصواتها.
شبهات التأثير الأجنبي
وفي موازاة ذلك، تداخلت معركة تشكيل الحكومة مع الجدل بشأن شبهات "التأثير الأجنبي" في الانتخابات.
وكتبت صحيفة "هآرتس" في افتتاحيتها صباح الجمعة: "وصلت خطة بنيامين نتنياهو للتشكيك في شرعية نتائج الانتخابات عبر تشويه سمعة الجمهور العربي، أمس، إلى ذروتها، إذ ادّعى الليكود أن الانتخابات سُرقت، وبدأ ممثلوه في آلة السم يطالبون بانتخابات مكررة".
وأضافت: "فعلت الصدمة التي أصابت معسكر نتنياهو من العدد الكبير لمقاعد الأحزاب العربية فعلها، فيحاول الليكود وأحزاب الائتلاف، التي تلقت ضربة قاسية في صناديق الاقتراع، الإضرار بتصويت الاحتجاج للمواطنين العرب في إسرائيل. يفعلون ذلك بخبث، رغم أنه حتى الآن غير واضح أصلاً طبيعة الشبهات وحجم الأموال التي حولتها قطر، إن وُجدت أصلاً".
وتابعت: "حتى لو خرج صوت وأعلن أنه لا شيء في الأمر، فالضرر قد وقع بالفعل. من عمل من مكتبه وكلاء تأثير نيابة عن قطر، ولا يزال يحتفظ (نتنياهو) حتى اليوم بيونتان أوريخ مستشاره المقرب، تذكر فجأة أن تلقي أموال من الدولة المشار إليها فعل مرفوض".
وذكرت صحف ومواقع إخبارية إسرائيلية أخرى أن الحديث يدور عن شبهات محددة ومحدودة، وأن المعطيات المتاحة لا تثبت وجود تأثير في النتيجة العامة للانتخابات. أما بيان الشاباك، مساء الخميس، فشدد على أن التحقيق لم ينتهِ، وأن التصريحات المتعلقة بمضمون الشبهات وطبيعتها لا تعبّر عن موقفه، وأن النتائج ستُعرض على رئيس لجنة الانتخابات المركزية عند استكمال التحقيق.
وربط معارضو نتنياهو بين الاتهامات المتعلقة بالتصويت العربي وبين معركة تكليف آيزنكوت وتشكيل أغلبية تدير عمل الكنيست. وذهبت تحليلات إلى أن نتنياهو يسعى إلى نزع الشرعية عن التعاون مع الأحزاب العربية، والضغط لاستبعاد تأثير توصياتها لدى الرئيس، بما يمنحه تفوقاً على معسكر آيزنكوت. لكن هذا الاستبعاد لا يترتب عليه أثر قانوني بمجرد وجود تحقيق.
وتوسعت هذه القراءة، مساء الخميس، بعدما أثار نشر رسالة رئيس لجنة الانتخابات المركزية، المطالبة بالتحقيق الفوري، انطباعاً بأن ارتفاع التصويت العربي قد يكون نتيجة تدخل خارجي قادته قطر، بدلاً من كونه تعبيراً عن دوافع داخلية احتجاجية على سياسات حكومة نتنياهو.
وزاد من حدة الجدل ورود اسم قطر، التي تثير مشاعر سلبية في قطاعات واسعة من الشارع الإسرائيلي، سواء بسبب اتهامها بدعم حركة "حماس" لدى اليمين، أو بسبب قضية الاشتباه بعمل مستشارين في مكتب نتنياهو لمصلحتها لدى معارضيه.
احتمال تجدد المواجهة مع إيران
وهناك عامل إضافي قد يؤثر مباشرة في النقاش بشأن الحكومة الجديدة في إسرائيل، ويتعلق بإيران واحتمال تجدد الحرب بمشاركة إسرائيلية وأميركية، رغم ما تشير إليه التقارير من اختلاف أهداف الطرفين.
فقد تتحول المواجهة إلى عامل يغيّر أولويات الأحزاب وشروط التفاوض. وفي غياب حرب جديدة، تستمر المفاوضات وفق نتائج الانتخابات، ويسعى آيزنكوت إلى تشكيل بديل، بينما يحاول نتنياهو استمالة شركاء، مع بقائه رئيساً لحكومة تصريف الأعمال.
أما اندلاع مواجهة قبل التكليف، فقد يعزز دعوات نتنياهو إلى تشكيل حكومة وحدة أو طوارئ برئاسته، ويزيد الضغوط على خصومه، لكنه قد يدفعهم أيضاً إلى المطالبة بقيادة جديدة. وإذا اندلعت الحرب خلال تكليف آيزنكوت، فسيواجه خيار مواصلة تشكيل الحكومة أو التوصل إلى ترتيبات تعاون أمني لا تعني بالضرورة تشكيل حكومة وحدة.
وفي حال امتداد الحرب، قد تتقدم قضايا القيادة والدفاع وإدارة الاقتصاد على التعهدات الانتخابية. وقد يستفيد نتنياهو من نجاح عسكري، أو يتضرر من الإخفاق والخسائر. لكن الحرب لا توقف تلقائياً إجراءات تشكيل الحكومة أو مهلها القانونية، ولا تمنح الحكومة القائمة تفويضاً جديداً. كما لا تثبت المعطيات المعروضة اتخاذ قرار بشن الحرب بهدف التأثير في تشكيل الحكومة.
وبالإضافة إلى ذلك، تتكرر في وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن مطالب أميركية موجّهة إلى نتنياهو وآيزنكوت لتشكيل حكومة وحدة، تكون مستعدة لاتخاذ خطوات جوهرية في قضايا إقليمية، مثل القضية الفلسطينية، إلى جانب خطوات تخص سوريا ولبنان وغزة.
ووفق ما نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم"، صباح الجمعة، حملت الرسائل التي وصلت إلى إسرائيل من الإدارة الأميركية تحذيراً من أنها ستفقد، بعد مغادرة ترمب البيت الأبيض، أحد أبرز داعميها، في ظل أجواء دولية مناهضة لها واحتمالات فرض عقوبات عليها.
وبحسب هذه الرسائل، فإن حكومة وحدة تتجاوب مع توجهات الإدارة الأميركية قد تساعد إسرائيل على تجنب ظروف دولية أصعب؛ لكن هذا الطرح لا يحسم هوية رئيس الحكومة، ولا يزيل الخلافات التي تعرقل تشكيلها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.