كبار السن يشكلون 3.6% من سكان العراق!

في العراق، لا تزال الأسرة تمثل خط الدفاع الأول في رعاية كبار السن وإعالتهم، سواء كانت أسرة كبيرة تتوزع فيها مسؤوليات الرعاية والنفقات، أو أسرة صغيرة تجد نفسها أمام أعباء متزايدة قد تتجاوز قدراتها المالية والاجتماعية. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة وتغير أنماط الأسرة، إلى جانب الهجرة الداخلية والخارجية، تبرز تساؤلات بشأن مدى قدرة شبكات الحماية الاجتماعية على مساندة هذه الأسر وتخفيف الضغوط المترتبة على رعاية كبار السن.
ولا تقتصر القضية على توفير دخل شهري لكبار السن، بل تمتد إلى قدرة منظومة الحماية الاجتماعية على الاستجابة لاحتياجاتهم الصحية والمعيشية والاجتماعية، وضمان ألا يتحول التقدم في العمر إلى عبء اقتصادي يثقل كاهل الأسرة. فبينما تعتمد شريحة من كبار السن على الأبناء والأقارب بصورة أساسية لتوفير متطلبات الحياة، تواجه أسر أخرى صعوبات في تأمين الرعاية اللازمة، ولا سيما عندما يكون عدد أفرادها محدوداً أو تعاني من ضعف الدخل والبطالة.
الأسرة تتحمل العبء الأكبر
وفي هذا السياق، يقول المتحدث باسم وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق حسن خوام لـ"النهار"، إن "ملف رعاية كبار السن في العراق يمثل أحد الاختبارات المهمة أمام منظومة الحماية الاجتماعية، ولا سيما في ظل اعتماد شريحة واسعة منهم على الأسرة في توفير متطلبات المعيشة والرعاية الصحية والاجتماعية، سواء كانت الأسرة كبيرة وتضم عدداً من الأبناء القادرين على الإعالة، أو صغيرة وتتحمل أعباء الرعاية بعدد محدود من أفرادها".
ويبين خوام أن "السياسات الحكومية ينبغي أن تراعي اختلاف أوضاع الأسر العراقية، وعدم التعامل معها وفق نموذج واحد، فوجود شخص مسن داخل الأسرة قد يفرض أعباء مالية وصحية إضافية، خصوصاً عندما يكون مصدر دخل الأسرة محدوداً أو عندما لا يتوافر عدد كافٍ من أفرادها القادرين على العمل".
ويضيف أن "البيانات السكانية تشير إلى أن كبار السن بعمر 65 عاماً فأكثر يشكلون نحو 3.6 في المئة من سكان العراق، في حين تمثل الفئة العمرية 15–64 عاماً نحو 60 في المئة، ما يعني وجود قاعدة سكانية شابة وقادرة على العمل، إلا أن القدرة على الإعالة لا ترتبط بالعمر وحده، وإنما بمستوى التشغيل والدخل وحجم الأسرة واحتياجاتها".

كانت وزارة التخطيط العراقية قد أكدت في وقت سابق أهمية الوصول إلى تغطية أوسع لكبار السن ضمن أنظمة الضمان والحماية الاجتماعية (رويترز)
حماية اجتماعية أكثر قدرة على الاستجابة
يؤكد خوام أن "التحدي يتمثل في تحويل هذه التركيبة السكانية إلى منظومة حماية أكثر قدرة على مساندة الأسر، من خلال توسيع مظلة الرعاية الاجتماعية وتحسين استهداف كبار السن والأسر الأكثر هشاشة، بما يخفف الأعباء عن أفراد الأسرة ويضمن لكبار السن حياة كريمة ومستقرة".
ويشير إلى أن "الحكومة تعمل على تطوير آليات الحماية الاجتماعية بما ينسجم مع التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، وأن ارتفاع أعداد كبار السن مستقبلاً يتطلب الاستعداد من الآن عبر سياسات طويلة الأمد تشمل الدعم المالي والرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية".
وكانت وزارة التخطيط العراقية قد أكدت في وقت سابق أهمية الوصول إلى تغطية أوسع لكبار السن ضمن أنظمة الضمان والحماية الاجتماعية، وسد الفجوات القائمة في هذا المجال، بما يعزز قدرة هذه الفئة على مواجهة متطلبات الحياة ويخفف من اعتمادها الكامل على الأسرة.
ويأتي ذلك في وقت تفرض فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية تحديات جديدة على الأسرة العراقية، التي لم تعد دائماً قادرة على تحمل مسؤولية الرعاية منفردة، خصوصاً مع تراجع حجم بعض الأسر، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتزايد معدلات البطالة أو محدودية فرص العمل لبعض أفرادها.
من الدعم المالي إلى رعاية متكاملة
من هنا، يطرح الواقع العراقي اختباراً حقيقياً لفاعلية برامج الحماية الاجتماعية ومدى قدرتها على الوصول إلى كبار السن وأسرهم وفق احتياجاتهم الفعلية، بما يضمن حماية هذه الفئة وتعزيز قدرة الأسرة على أداء دورها التقليدي، من دون أن تتحول مسؤولية الرعاية إلى سبب إضافي للفقر أو العجز الاجتماعي.
ويبدو أن التعامل مع ملف كبار السن لا يتطلب حلولاً آنية تقتصر على المساعدات المالية، بقدر ما يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد تدمج بين الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والخدمات المجتمعية، بالتوازي مع الاستعداد للتغيرات الديموغرافية المتوقعة في العراق خلال السنوات المقبلة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.