العقوبات الروسيّة في مرمى واشنطن: ورقة جديدة للضّغط على موسكو
بعد عام ونصف من النقاشات داخل الكونغرس الأميركي، أُقرّت حزمة جديدة من العقوبات المرتبطة بروسيا، لتضيف إلى الضغوط المفروضة على موسكو أداة يمكن لـ واشنطن استخدامها، ليس ضد روسيا مباشرة فحسب، بل ضد الدول التي تواصل شراء الطاقة الروسية.
وتقوم الآلية الجديدة على إمكانية فرض رسوم جمركية مرتفعة، قد تصل إلى 100%، على سلع واردة من دول تستمر في شراء النفط والغاز الروسيين. وبذلك تنتقل العقوبات من استهداف الاقتصاد الروسي مباشرة إلى الضغط على شبكة العلاقات التجارية التي تسمح لموسكو بالحفاظ على صادراتها.
منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، أصبحت العقوبات الغربية إحدى أبرز أدوات الضغط على روسيا، وطالت قطاعات الطاقة والمال والصناعة، إضافة إلى شركات وأفراد ومؤسسات روسية.
لكن الحزمة الجديدة تضيف بُعداً مختلفاً، إذ تستهدف بصورة غير مباشرة الدول التي تشتري الطاقة الروسية. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى موسكو، لأن صادرات النفط والغاز تمثل أحد المصادر الرئيسية للإيرادات، كما أن توسيع دائرة العقوبات قد يزيد صعوبة وصول الطاقة الروسية إلى الأسواق العالمية.
لكن موسكو تحذر من أن العقوبات الأميركية الإضافية ستعقّد الجهود الرامية إلى التوصل إلى تسوية للصراع في أوكرانيا، معتبرة أنها تضيف طبقة جديدة إلى المواجهة الاقتصادية والسياسية بين روسيا والغرب.
الطاقة في قلب العقوبات الثانوية
تستهدف الآلية الجديدة الدول التي تواصل شراء الطاقة الروسية، وفي مقدمتها الصين والهند، إلى جانب دول أوروبية لا تزال تستورد بعض أشكال النفط والغاز الروسيين. ومن بين الحالات اللافتة فرنسا التي كانت، وفق البيانات الأوروبية المشار إليها، من كبار مستوردي الغاز الطبيعي المسال الروسي.
وتضع هذه الإجراءات الدول المستوردة أمام معادلة صعبة: إما مواصلة التعامل مع موسكو وتحمل الرسوم والتداعيات المحتملة على تجارتها مع الولايات المتحدة، أو تقليص مشترياتها من الطاقة الروسية.
وبذلك تتحول العقوبات إلى أداة ضغط على شركاء روسيا التجاريين، وقد تتجاوز آثارها العلاقة بين واشنطن وموسكو لتصل إلى العلاقات الأميركية مع الصين والهند والاتحاد الأوروبي.
تكمن أهمية القانون أيضاً في أنه يمنح الرئيس الأميركي هامشاً واسعاً لتحديد الدول التي يمكن استهدافها ومستوى الرسوم المفروضة عليها. ولذلك، فإن تأثير العقوبات لن يتوقف على نص القانون، بل على كيفية استخدام الإدارة الأميركية الصلاحيات التي منحها لها.
ويمكن لهذه المرونة أن تجعل الرسوم أداة ضغط وتفاوض في آن واحد، إذ تستطيع واشنطن تشديد الإجراءات أو تخفيفها وفقاً للتطورات السياسية والاقتصادية.
لكن استخدام هذه الأداة ضد دول كبرى قد يؤدي في المقابل إلى توسيع نطاق المواجهة التجارية، وخصوصاً إذا شملت دولاً أوروبية، تفتح أبواب الصراع مع بروكسل.
روسيا تبحث عن أسواق بديلة
واجهت موسكو العقوبات الغربية بإعادة توجيه جزء من تجارتها نحو آسيا وأسواق أخرى خارج المنظومة الغربية، لكن توسيع القيود لتشمل المشترين والمصارف وشركات النقل والتأمين قد يزيد تكلفة التجارة الروسية ويعقّد عمليات التمويل والشحن والتصدير.
وقد تدفع الضغوط الدول المستهدفة إلى البحث عن وسائل بديلة للتجارة والتمويل، أو إلى إعادة ترتيب علاقاتها الاقتصادية. وهكذا لا تقتصر المعركة على منع بيع النفط الروسي، بل تمتد إلى السيطرة على طرق الطاقة والتجارة وأنظمة الدفع التي تسمح باستمرار هذه التجارة.
فكل عقد نفطي جديد، وخط أنابيب، وممر تجاري، ونظام دفع خارج المنظومة الغربية، يمكن أن يصبح جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل خريطة التجارة الروسية.
اختبار حقيقي لفاعلية العقوبات
إقرار القانون يمنح واشنطن أداة جديدة للضغط على موسكو، لكنه لا يحسم مدى تأثيرها على الاقتصاد الروسي. فالنتائج ستعتمد على الدول التي ستستهدفها الإدارة الأميركية، ومدى استعدادها لتحمل الضغوط، وقدرة روسيا على الحفاظ على أسواقها وإيجاد مسارات بديلة.
وبذلك تدخل العقوبات الروسية مرحلة أكثر تعقيداً، فالمواجهة لم تعد تقتصر على معاقبة الشركات والبنوك الروسية، بل أصبحت تمتد إلى الدول التي تواصل التعامل مع موسكو.
فهل تنجح واشنطن في رفع تكلفة التجارة الروسية وإضعاف شبكة مشتري الطاقة، أم ستكون هناك مسارات تجارية ومالية بديلة؟
- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.