الرجل الذي لن يسمح له بالتكويع
يبرز اسم مغني الراب الأميركي "ماكلمور" في الآونة الأخيرة بعد استبعاده من جولة غنائية لاقترافه "إثم" الهتاف بشعار "فلسطين حرة"، ولأدائه أغنية تحمل اسم الطفلة الشهيدة هند رجب.
وكلما يصدح "ماكلمور" وغيره من الفنانين الغربيين بتأييدهم فلسطين، يصبح الصوت الأشد صخباً في أذني هو الصمت المطبق -للمفارقة المريرة- لزميلهم الفلسطيني "دي جي خالد".
فمنذ بدأت حرب غزة، امتنع مغنى الراب والمنتج عن الإدلاء بأي تعليق داعم للشعب الفلسطيني، أو مندد بالعقاب الجماعي الذي يتنزّل عليه. لم ينظم حملة تبرعات لغزة، ولم يعرّف بالمعاناة في القطاع، ولم ينشر دعاء شكلياً "لرفع العتب" حتى بأن يتوقف القتل الممنهج. بل قبل شهرين فحسب، طلب منه مصور ترديد عبارة "فلسطين حرة"، فأصر "دي جي خالد" -مثل السياسي المنافق- على أنه "يحب الجميع، ومنهم الفلسطينيون"!
وعلى مدار 3 سنوات، قاسى الفنان الذي تعود أصوله إلى رام الله هجوماً جماهيرياً عنيفاً بسبب حياده البارد، حتى إن الكوميدي "ديف شابيل" قرر أن "يمسح به البلاط" من على خشبة المسرح في أبوظبي، فوصف "دي جي خالد" بـ"الفلسطيني البدين الوحيد على الكوكب"، في إشارة إلى انعدام اكتراث الفنان حيال المجاعة في غزة.
ولكن خالد لم يتزحزح عن موقفه المقتضي بألا يتخذ موقفاً. وبينما نود أن نعتقد أنه لا يريد، فقد تكون الحقيقة في أنه لا يقدر.
غالباً ما يُسأل فادي مسلط، ابن خال "دي جي خالد" ورجل الأعمال الفلسطيني الناجح، عن هذا الحياد الذي ترتفع له الحواجب استنكاراً. والرد الذي توقفت عنده شخصياً، وتحركت بفعله عجلات مخيلتي، كان قوله "أحياناً، حينما تحفر حفرة بذلك العمق، فإنك ببساطة لا تستطيع الخروج منها".
وهو ما لا أستوعبه كلياً.
بالطبع، أفهم كيف أن "دي جي خالد" ربما يستشعر ثقل السنوات الثلاث التي قضاها محايداً و"مطنشاً"، وكيف أنها توازي قرناً في خواطر الفلسطينيين المكسورة. إنه يدرك -على الأرجح- أنه قد تمادى وطغى، وبأن التوبة التي ربما يتحرّق الآن للتصريح بها ستكون بمثابة إعلان فرعون موسى لإيمانه فقط بعدما أدركه الغرق. وخالد غارق فعلاً، في سيول البصاق واللعنات مع التراجع الفظيع لشعبيته.
ولكنه -على الأقل- أبقى فمه مطبقاً، ولم يشغله سوى بالتهام البقلاوة والمقلوبة، وما شابه ذلك من تفاهات "يؤدي" من خلالها فلسطينيته الاستعراضية للكاميرا. فما هو صمته وتجاهله، وانشغاله بتكديس الملايين، مقارنة بالفنانين العرب الذين أفنوا 14 عاماً في تكذيب روايات الناجين والتشكيك فيها، بل والسخرية منها في أعمالهم الفنية، ثم "كوّعوا" مع "المكوّعين"؟
امنحوا "دي جي خالد" حق العودة إلى الصواب، وفكّروا ببراغماتية في استغلال تراجعه واعتذاره -إذا ما حدث- في الترويج أكثر للقضية الفلسطينية. أما أذرعكم وقلوبكم التي ظلت مفتوحة بانتظار صحوته بينما تتناثر أشلاء الأطفال الغزاويين، فلتُغلق دونه أبد الدهر.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.