تأخّر الإنجاب لدى الرجال في العالم العربي... لماذا تدفع النساء الثمن؟
أزمة العقم أو تأخّر الإنجاب من أشرس التجارب الإنسانية والزوجية وأشدّها فتكاً، لإبحارها عميقاً في ظلال الموروثات الثقافية والضغوطات المجتمعية التي تُحوّل العارض الطبّي البسيط إلى وصمة عار يخشاها الرجل.
وفي هذا المناخ الجائر، تُوجَّه أصابع الاتهام تلقائياً نحو المرأة باعتبارها المستضعفة مجتمعياً في العالم العربي، إذ جرت تنشئتها على مسلوبية الحقوق، التضحية وتقديم الواجبات بلا مقابل، لتلوذ بالصمت فتتحمّل اللّوم قائلةً: "الحقّ عليّ"، حمايةً لرمزيّته.
تتغذّى هذه الإشكالية من ثقافة عقيمة تختزل "الرجولة" في الفحولة والتباهي بكثرة البنين، بدءاً من السؤال القمعيّ في ليلة الزفاف: "هل بَيَّضتَ وجوهنا؟".
هذه التنشئة تبني في ذهنه قناعة زائفة بأنَّ قيمته مرهونة بالفراش والإنجاب وأنّه فوق أيّ محاسبة، حارماً إيّاها حتى من حقّ الصوت والتعبير.

إمرأة تُعاني من الضغط النفسي (Pexels)
العقم عارضٌ طبّي لا تهديد للهوية
ترى الدكتورة هبة شركس، مستشارة في الصحة النفسية والعلاقات الأسرية في أبوظبي، أنَّ "استجابة الرجل العربي لتشخيص العقم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهومه للرجولة، فبينما يتعامل معه البعض بوعي ويسعون إلى العلاج، يراه آخرون صدمة مدمّرة تُهدّد هويّتهم ومكانتهم عندما يحصل الربط بينها والقدرة على الإنجاب".
حينئذٍ، يتحوّل العائق الطبّي إلى شعور عميق بالنقص يمسّ الكرامة ويتجاوز بكثير مجرّد تعثّر حلم الأبوة
وتستحضر "تباين ردود فعلهم عندما يكونون هم سبب تأخّر الإنجاب، فبينما يُصارح بعضهم زوجاتهم ويمنحونهنَّ حرّية الاختيار الواعي بين الرعاية أو الانفصال، مع حمايتهنَّ من أيّ لوم مجتمعي، يلجأ البعض إلى إخفاء الحقيقة المرّة وتحميلهنَّ كامل المسؤولية، بل والتمادي في التلاعب النفسي الممنهج عبر التشكيك في وعيهنَّ وإدراكهنَّ".
تتنوّع الاستجابات حسب مكانة الأبوة، بمعزل عن ربط الخصوبة بالرجولة أو القيمة الشخصية.
الوصمة الاجتماعية في الامارات
غالباً ما يُحمّل المجتمع العربي الزوجة الذنب قبل إجراء الفحوصات اللّازمة، في ظلّ صعوبة تقبّل وجود مشكلة لدى الزوج داخل بعض البيئات، ممّا يجعلها عرضة للاتّهامات والتدخّلات الاجتماعية والأسرية.
ومع أهمية حقّ الزوجين في الحفاظ على الخصوصية الطبّية باتّفاق متبادل، فإنَّه لا يجوز أن يتحوّل ذلك إلى وسيلة لحجب الحقيقة عن أحدهما.
في هذا السياق، تُميّز شركس بين "الإنكار بوصفه آلية دفاعية مؤقّتة والتضليل المتعمّد خوفاً من العار"، مؤكّدةً أنَّ "إلقاء اللّوم عليها قد يكون هروباً من مواجهة الالتزام، لا مجرّد إسقاط نفسي".
في دولة الإمارات والمجتمعات العربية عموماً، قد يتسبّب ربط مفهوم الرجولة بالقدرة الإنجابية إلى جانب تدخّل الأسرة في التفاصيل الدقيقة للحياة الزوجية، في تصاعد الخوف والتهديد بالهجر. لكنَّ تفهّم هذه المخاوف النفسية لا يُعفيه البتّة من واجب مصارحتها وصون كرامتها في اتّخاذ القرار.
كسر دائرة الألم: كيف تُشكّل الصدمات العائلية هويّتنا وما نُصبح عليه؟
كسرُ الإرث النفسي لا يعني التنكّر للماضي، بل التحرّر من سطوة تكراره وصناعة غدٍ أكثر أماناً للأجيال القادمة.
من هذا المنطلق، تُشدّد على "ضرورة توجيه الجهود نحو تشخيص أسباب تأخّر الإنجاب وعلاجها علمياً، عوضاً عن استنزاف الطاقات في البحث عن مُذنب، ولا سيّما أنَّ المشكلة قد تكون كامنة لدى أحدهما أو كليهما معاً".
نستدلّ بدراسة إيطالية عام 2017 ربطت الاكتئاب بأسباب ذكورية لتأخّر الإنجاب، وأظهرت أنَّ 52% من المشاركين لا يُناقشون علاجهم خارج نطاق شريكاتهم.
كما تناول بحث نوعي سنة 2019 بعنوان "البناء الاجتماعي للعقم عند الرجال" أثر ه على صورة الرجولة وما يُرافقها من إدانة، عزلة وكبت.
قد يتجلّى الألم النفسي في الانفعال، الانسحاب أو الانغماس بالعمل وهذه السلوكيات وحدها لا تُشخّص اضطراباً.
من جهة أخرى، أكّدت مراجعة منهجية لـ 23 دراسة في 2023 ارتفاع الاكتئاب، القلق وتراجع تقدير الذات لدى الرجال ذوي الأسباب الذكورية مقارنةً بالقادرين على الإنجاب، مع فروق محدودة وغيرهم.
يتطلّب تقييم "الانهيار النفسي" فحصاً سريرياً للأداء اليومي، النوم، الشهية واليأس، بينما تستدعي أفكار إيذاء النفس تدخّلاً عاجلاً.

التباعد العاطفي بين الزوجين (Pexels)
تُشدّد شركس على "فصل حالة الرجل الطبّية عن قيمته الشخصية وتعزيز المصارحة مع الشريكة، فالضغوط والمقارنات قد تُولّد مشاعر متناقضة كالفرح للآخرين، الحزن على الذات أو اللّوم تجاهها، غير أنَّ العقم ليس خطيئة والتبعة تكمن في الصدق والمواجهة معاً".
وتشرح: "من واقع ممارستي للاستشارات النفسية في أبوظبي، ألمس تباينًا جليّاً في استجابة المراجعين لخبر "ضعف الخصوبة"، إذ يتلقّاه البعض هنا كزلزالٍ يُمحّص مفهوم الرجولة، فبينما يمتلك شجاعة الشفافية ومسؤولية الشراكة بالمواجهة وصون زوجته من أيّ لومٍ مجتمعي، يلجأ آخر تحت وطأة الخوف من "وصمة النقص" إلى الإنكار".
وبين هاتين الاستجابتين يتّسع الطيف النفسي، ما يتطلّب منّا علمياً تفكيك الخلط الشائع بين الخصوبة البيولوجية والقدرة الجنسية، كما التأكيد على أنَّ قيمته الإنسانية وكرامته أسمى من أن تُختزل في نتيجة تحليلٍ طّبي.
وتُحذّر بشدّة من "إغفال الصحة النفسية لها، إذ يُتوقّع من المرأة أحياناً أن تظلّ قوية ومطمئنة باستمرار بينما تتجرّع هي الأخرى مرارة الحزن على حلم الأمومة والمستقبل المجهول.
قد يتحوّل خوف الشباب من الهجر إلى الشكّ والسيطرة، ما يستدعي علاجاً نفسياً وحماية عاجلة لها".
فالرجل الحقيقي ليس صاحب العضلات ولا العلاقات، بل من يملك شجاعة الادراك ليقصد العلاج النفسي والسريري .
أمّا الهروب للخيانة، الإساءة وتحميلها تداعيات المرض، فجبنٌ يسير نحو القهر والعنف، فالميثاق الزوجي هو الأصل، كان كذلك قبل الأطفال ويبقى بعدهم.
قضيّتنا ليست صراعاً بين النسوية والرجولة، بل نداءٌ لإنسانية الطرفين في لبنان والدول العربية!
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.