InquirerThe state of Philippine news: Trust falls amid changing media habitsDaily MaverickBrazil may turn right-wing again — this is why South Africans should careBollywood HungamaTiger Shroff team shares video of his injuries after Juhu firing incident; actor reportedly sustained cuts and bruisesPunchMy wife eager to know Ballon d’Or result, says KaneCNN TürkMevduat faizi düşecek, kredi faizi ne olacak?ESPNTransfer rumors, news: Como's Paz destroyed Man United, now they want to sign himZDF heuteAktuelle Pressemitteilungen des ZDFThe Hollywood Reporter‘Biermann’ Director Explains Why His Doc About a German Political Singer Is a Film for the Trump EraFutura SciencesLes Romains n'ont jamais réussi à protéger leurs soldats de ces parasites qui rongeaient leurs intestinsWirtualna PolskaGorzka reakcja Tuska. Tak premier mówił o odejściu Pełczyńskiej-NałęczNHK 社会鹿児島 鹿屋 飲食店経営者殺害事件で容疑者を逮捕 容疑は否認InteriaUkraina chce zmian na granicy z Polską. "Tak szybko, jak to możliwe"
The Daily Newsstand · Free, Always
Friday, October 23, 2026

مزاد على الظل

Translate

تعتاد الأشياء الثمينة أن تُحفظ في الخزائن، وان تُحاط بالحراس، وان تُكتب باسمها الصكوك. وحده الظلّ بدا كأنه ينجو من هذه المعادلة، ذلك الرفيق الذي يلازمنا من دون أن نملكه، ويرسم حدودنا تحت أضواء الحياة، وينكمش تحت شمس الظهيرة، ليبقى شاهداً صامتاً على أننا مازلنا في هذا العالم، ونشغل مساحة منه.
لكن المأساة لا تبدأ حين نفقد الأشياء التي نملكها، بل حين تمتدّ الأزمة إلى مساحات ظنّنا أنّها بمنأى عن الحساب، ومع اشتداد وطأة العيش، لم يعد السؤال متعلّقاً بما نملك، بقدر ما أصبح متعلقاً بما نستطيع أن نعيشه من دون مقابل. 
ماذا يبقى لنا من حيّز نستطيع أن نعيش فيه بلا ثمن؟ 
لقد تسلّلت الأزمة إلى تفاصيل حياتنا الصغيرة. لم يعد الدين مجّرد رقم في حساب، أو استحقاق ينتظر موعده، بل أصبح اقتطاعاً من الأمان الشخصي، ومن تلك الكرامة الهادئة التي لا تظهر في أي دفتر.
كل سلفة نلجأ اليها لتجاوز الحاضر تُحمّل الغد عبئاً إضافياً. وكل حاجة تؤجل تنتقص من قدرتنا على تلبية ما قد يفرضه المستقبل. ومع الوقت، لم تعد الأزمة تستنزف ما ادّخرناه فحسب، بل أخذت تنتقص من قدرتنا على العيش بطمأنينة، حتى غدونا كانّنا نعرض ظلالنا في مزاد مفتوح، ندفع بها ثمن القدرة على الاستمرار.
وحين تتجاوز الأزمة قدرة الفرد على الاحتمال، لا يعود شأناً شخصياً محضاً، فنحن نتشارك الموارد والحقوق والأعباء، وما يثقل كاهل الفرد قد يمتد أثره إلى المجتمع كلّه. عندها يتغير السؤال: كيف ندير شؤون حياتنا المشتركة، ومن يتحمل كلفة القرارات التي نتخذها اليوم؟ عند هذا الحدّ تدخل الدولة في صلب المعادلة.
فالدولة تتولى إدارة المال العام، وتقدّر الإيرادات والنفقات، وترتب الأولويات، وتتّخذ قرارات قد تمتد آثارها إلى سنوات لاحقة. وإذا كان المواطن، تحت ضغوط الحاضر، يضطرّ أحياناً إلى الاقتراض من قدرته على الغد، فإن الدولة مطالبة بأن تدير حاضرها بما يصون قدرة المجتمع على بلوغ المستقبل، ولا بما ينقل أعباء اليوم إلى من يأتي بعده.
ومن هنا تأتي الموازنة. فهي ليست مجرد أرقام تتجاوز فيها الإيرادات والنفقات، بل تقدير لموارد الدولة ونفقاتها خلال سنة مالية، وتعبير عن أولوياتها في إدارة المال العام ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والقانون. 
ولم يترك الدستور الموازنة خارج الأولوية التشريعية. فالمادة 32 تخصّص جلسات عقد مجلس النواب العادي الثاني للبحث في الموازنة والتصويت عليها قبل أي عمل آخر، ويبدأ هذا العقد يوم الثلاثاء الذي يلي الخامس عشر من تشرين الأول، ويمتدّ حتى نهاية السنة. أما المادة 83، فتوجب على الحكومة أن تقدم في بدء عقد تشرين الأول من كلّ سنة موازنة شاملة لنفقات الدولة ودخلها عن السنة المقبلة، على أن يُقترع عليها بنداً بنداَ.
ولعلّ عبارة "السنة المقبلة" هي المفتاح الذي يفتح باباً أوسع للتأمل. فالموازنة تنظر إلى سنة لم تصل بعد، لكنها لا تُعدّ في فراغ، إذ تنطلق من واقع قائم، وتترجم خيارات ستنعكس آثارها على حياة المواطنين. وهنا تظهر المسافة بين حسابات الدولة وتجربة المواطن: فالدول تقدّر احتياجات السنة المقبلة، فيما يحاول المواطن، أحياناً، أن يبلغ نهايتها، بما تبقى له من قدرة. 
فالرقم الذي يظهر في الموازنة لا يبقى حبيس الورق، حين ينعكس على حياة الناس، فقد يظهر هذا في صورة خدمة عامة، أو رسم، أو كلفة إضافية، أو حقّ ينتظر الوفاء به. لذلك لا تكفي قراءة الأرقام وحدها، إذ تكشف الموازنة كيف توزّع الدولة الأعباء وايّ الحاجات تمنحها الأولوية، وأي الالتزامات تؤجلها. فالمال العام، إيراداً وإنفاقاً، لا ينفصل عن حياة الناس، ولا عن الثقة التي يضعونها في مؤسساتهم.
من هذا المنطلق، تصبح الموازنة أكثر من تقدير مالي لسنة واحدة، تصبح اختباراً بشأن الزمن نفسه: ما الذي ينبغي معالجته اليوم، وما الذي يمكن تأجيله، ومن سيتحمّل كلفة التأجيل حين يأتي الغد؟ وإذا كان المواطن يستطيع أن يؤجل حاجاته أو يستهلك من مدّخراته كي يحافظ على استقرار يومه، فإن القرارات المالية للدولة قد تمتدّ آثارها إلى سنوات لاحقة، وتتجاوز أصحاب القرار لتطال مجتمعاً كاملاً.
وعليه، لا تُقاس مسؤولية الدولة بمجردّ إدارة سنة مالية، بل بقدرتها على التوفيق بين حاجات الحاضر وحقوق المستقبل. فما تقرَّر اليوم لا تنتهي آثاره بإنتهاء السنة وما يُؤجل لا يفقد كلفته لمجردّ أن موعد الاستحقاق أصبح أبعد. وقد يجد مَن يأتي بعدها نفسه أمام أعباء لم يخترها، لكنّه مضطرّ إلى تحمّلها.
وربّما تكمن أقسى الخسارات في تلك التي لا تظهر في أي دفتر، أن يستهلك الإنسان من عمره وقدرته ما يكفي لعبور حاضره، ثم يترك لمَن يأتي بعده كلفة زمن لم يشترك في صنعه.
فماذا يبقى من ظلّنا، إذا استهلكنا في حاضرنا ما كان ينبغي أن يبقى للغد؟

View the original on النهار →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.