غوستافو دوداميل يتولى مهمة تتجاوز قيادة الأوركسترا في نيويورك

(CNN)--شهد مركز "لينكولن" في مدينة نيويورك تجمعاً حافلاً بالنجوم مؤخراً، حيث احتفت شخصيات بارزة كستيفن سبيلبرغ وأليك بالدوين بغوستافو دوداميل (45 عامًا)، المدير الموسيقي الجديد لـ "أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية"، وسط حماس لم تشهده الأوساط الثقافية في المدينة منذ وقت طويل.
وكان دوداميل، الذي عُرف بلقب "ذَ دود" خلال مسيرته التي امتدت 17 موسماً على رأس "أوركسترا لوس أنجلوس الفيلهارمونية"، قوةً مؤثرة في لوس أنجلوس، سواء على خشبة المسرح أو من خلال جهوده الرامية إلى جعل الفنون، التي غالباً ما تُصنف فناً للنخبة، متاحة للجميع.
وقد نجح دوداميل في توسيع نطاق تأثير الأوركسترا عبر برامج تعليمية ودمج الموسيقى الكلاسيكية بالثقافة الشعبية، حيث شارك، على سبيل المثال، في العرض الموسيقي خلال استراحة ما بين شوطي نهائي كأس العالم لكرة القدم في يوليو/تموز الماضي، كما تولى قيادة الأوركسترا في تسجيل الموسيقى التصويرية لأفلام شهيرة مثل "West Side Story"، و"Star Wars: The Force Awakens".
ووصل دوداميل إلى نيويورك حاملاً مهمةً مماثلة، مؤكداً منذ البداية إيمانه الراسخ بأن الموسيقى "حق أساسي" من حقوق الإنسان. وقال في مقابلة أجريت معه الصيف الماضي: "عليك حقاً أن تخوض المخاطرة لكي يشعر الناس فعلياً بأنهم ينتمون إلى هذا العالم".
موسيقى للناس
تشكّلت رؤية دوداميل الفنية منذ طفولته في مدينة باركيسيميتو الفنزويلية، حيث تعلم العزف على آلة الكمان من خلال برنامج "El Sistema"، وهو النظام الوطني الفنزويلي لفرق الأوركسترا وجوقات الأطفال والشباب.
وتأسس هذا البرنامج عام 1975 على يد خوسيه أنطونيو أبريو، الموسيقي والاقتصادي الذي آمن بأن الموسيقى الكلاسيكية -التي ظلت لفترة طويلة حكراً على قلة مختارة- قادرة على تغيير حياة الأطفال الأكثر فقراً في فنزويلا.
ووفقاً للأرقام الرسمية الفنزويلية، شارك أكثر من مليون شخص في هذا البرنامج منذ تأسيسه، حيث يعمل البرنامج من خلال مراكز مجتمعية، ويوفر الآلات الموسيقية والدروس التعليمية مجاناً للأطفال، ومعظمهم ينتمون إلى عائلات ذات دخل محدود.
وقالت آن فيتزجيبون، مؤسِّسة ومديرة تنفيذية لبرنامج "هارموني"، وهو مؤسسة غير ربحية في مدينة نيويورك توفر تعليم الموسيقى مجانًا للأطفال في المجتمعات الأقل حظًا: "ما يدركه زملائي في فنزويلا حول الموسيقى هو أنها ليست مجرد عنصر تزييني، ولا نشاطًا إضافيًا خارج المنهج الدراسي، ولا تقتصر على كونها مصدرًا للمتعة، رغم أنها ممتعة بالفعل".
وقد استلهمت فيتزجيبون فكرة تأسيس هذا البرنامج بعد دراستها لبرنامج "El Sistema" في فنزويلا، وذلك في إطار منحة "فولبرايت" عام 2007.
وتأسس البرنامج قبل عقود من وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عبر ثورة شعبوية سرعان ما تحولت إلى نظام استبدادي. وقد واصل تشافيز، ومن بعده خليفته نيكولاس مادورو، تمويل البرنامج، مما جعل ارتباطاته بالدولة محل تدقيق.
ولطالما تساءل النقاد لسنوات عن صمت دوداميل إزاء تشافيز ومادورو، وما اتسم به عهداهما من انتهاكات لحقوق الإنسان وفساد، لكنه كسر صمته في مايو 2017، عقب مقتل موسيقي شاب خلال إحدى الاحتجاجات.
وكتب حينها في رسالة مفتوحة: "أرفع صوتي ضد أي شكل من أشكال القمع. لا ينبغي أن تُعرَّف الحقب الزمنية بدماء أبناء شعبنا".
وفي حديثه إلى شبكة CNN خلال الصيف الماضي، أشاد دوداميل ببرنامج "El Sistema"، قائلاً: "إنه ليس نظامًا أشبه بمصنع للموسيقى؛ بل يستخدم ’إل سيستيما‘ الموسيقى لتغيير حياة الأطفال".
"الاستماع العميق"
وصل دوداميل إلى مدينة تضم العديد من البرامج المستوحاة من نموذج "El Sistema". ووفقًا لشبكة "El Sistema USA"، التي تربط بين هذه المبادرات، توجد في جميع أنحاء الولايات المتحدة نحو 150 منظمة استلهمت هذا النهج، وتتنوع هذه المنظمات ما بين برامج مجتمعية محلية وأوركسترا الشباب "YOLA" التي ساهم دوداميل في تأسيسها في لوس أنجلوس، وتقدم جميعها تعليم الموسيقى لأكثر من 30 ألف طالب.
وكان كارلوس سانشيز يبلغ من العمر 13 عامًا فقط عندما عزف لأول مرة إلى جانب دوداميل في حفل موسيقي بمسقط رأسه ماراكايبو، ثاني أكبر مدينة في فنزويلا. وبعد سنوات، وبعد أن درس العزف على آلة الكونترباص من خلال برنامج "El Sistema"، طاف حول العالم مع "أوركسترا سيمون بوليفار السيمفونية" بقيادة دوداميل.
ويشغل سانشيز حالياً منصب مدير "UpBeat NYC"، وهو مركز موسيقي مجتمعي في منطقة ساوث برونكس يقدّم تعليماً موسيقياً مجانياً لـ 230 طالباً تتراوح أعمارهم بين 5 و21 عاماً.
وقال سانشيز: "عندما جئت إلى (UpBeat) لأول مرة، رأيت كيف يتعامل البرنامج مع الأطفال؛ لقد كان ذلك تماماً ما كنت أشعر به في بلدي الأم".
وبفضل التبرعات الخاصة والمنح، يقدّم "UpBeat" أيضاً المساعدة للعائلات، بما في ذلك توفير الغذاء والدعم خلال الأوقات الصعبة. وأضاف سانشيز: "الأمر لا يقتصر على سؤال الطفل: هل تدربت على عزفك؟ بل يتعداه إلى سؤال: هل أنت جائع؟ هل كل شيء على ما يرام في منزلك؟".
وتأمل مؤسسات مثل "UpBeat" أن يسهم وصول دوداميل في تسليط الضوء عليها بشكل أكبر، مما يتيح لها فرصة التوسع والنمو.
وقال ريتشارد ميلر، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي المشارك للبرنامج: "إنه يمتلك نفوذاً على عدة مستويات، ونحن نتطلع لرؤية كيف سيوظف هذا النفوذ. سنكون حاضرين بجانبه، وسنحاول توجيهه لضمان وصول الدعم إلى العائلات التي نمثلها ونعمل معها".
وعقب تعيين دوداميل، قدّم أوسكار إل. تانغ، الرئيس المشارك لـ "أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية"، وزوجته أغنيس هسو-تانغ تبرعاً بقيمة 40 مليون دولار لدعم التعليم الموسيقي وإيصال فن الأوركسترا إلى جماهير جديدة.
"في جيلنا هذا، لم نحظَ بمدير موسيقي يولي القدر ذاته من الاهتمام لما يحدث على منصة القيادة الموسيقية ولما يحدث في المدارس"، هكذا صرّح غاري باد، نائب رئيس قسم التعليم والمشاركة المجتمعية في "أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية".
وأقرّ بأن النظام المدرسي في نيويورك لا يزال يعاني من فصلٍ عنصريٍّ عميق، مشيراً إلى أن فريقه يركز جهوده على المناطق التي تفتقر إلى الفنون في المدينة، مثل حي كورونا في كوينز، وحي كانارسي في بروكلين.
وأكد باد أن التغيير سيستغرق وقتاً؛ فدوداميل لن يقضي مع الأوركسترا سوى نحو 15 أسبوعاً في السنة، ووصف الموسم الأول لأي قائد أوركسترا بأنه مرحلة من "الاستماع العميق".
أما ميلر، من مؤسسة "UpBeat"، فقد أبدى حماساً مشوباً بالحذر، إذ أشار إلى أن المشكلات متجذرة بعمق، مؤكداً ضرورة تنويع تكوين الأوركسترا. كما ذكّر بأن الفنانين من أصول أفريقية-لاتينية ناضلوا لعقود من أجل توسيع قاعدة جمهور الموسيقى الكلاسيكية، ولفت إلى أن مركز "لينكولن" نفسه أُقيم على أنقاض حي سان خوان هيل، الذي هُجِّرت منه عائلات من ذوي البشرة السمراء وأخرى بورتوريكية لإفساح المجال لبناء المركز.
وعلى بعد أميال قليلة من مركز "لينكولن"، عبّر سانشيز عن أمله في أن يلهم دوداميل طلاب "UpBeat"، تماماً كما أُلهِم هو نفسه -حين كان شاباً- في مدينة ماراكايبو.
وقال: "لم أكن أعرف شيئاً عن كل هذا حتى جاؤوا إليّ. آمل من كل قلبي أن يتمكن من المجيء، وأن يحمل معه ذلك الأمل ذاته".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.