الذكاء الاصطناعي يغير طبيعة وظائف المبتدئين ويجبر الشركات على إعادة التفكير في التوظيف

في وكالة الإعلانات اللندنية Catalyst، أصبح في إمكان موظف مبتدئ واحد إدارة خمسة حسابات عملاء مختلفة، بعدما كان الأمر يتطلب عدة أشخاص في السابق.
ويرجع ذلك للاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي التي تتولى تنفيذ البحوث، وكتابة المسودات الأولى، وجمع البيانات، فيما يقتصر دور الموظف على التدقيق والتحسين.
المؤسس توباياس جرين وصف الأمر بأنه “ميكانيكية عكسية” حيث يعمل الذكاء الاصطناعي خلف الكواليس بينما يظهر الإنسان في الواجهة أمام العميل.
وأضاف: “إذا أزال الذكاء الاصطناعي الأعمال الروتينية، فهذه المهام لم تعد مهمة… المُبتدئ عليه أن يعرف كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي ويوجهه لصالحه، وليس فقط القيام بالأعمال البسيطة”.
هذا التحول لا يقتصر على قطاع الإعلان فقط، فالذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على أداء المهام المرتبطة عادةً بالموظفين المبتدئين في معظم الصناعات، مثل البحث، وصياغة النصوص، والمهام الإدارية.
هذا التطور يرفع الإنتاجية، لكنه في الوقت نفسه يثير تساؤلات حول كيفية اكتساب الموظفين الجدد للمهارات الأساسية المطلوبة للتدرج المهني.
انخفاض توظيف المبتدئين
تقرير حديث من Open University في بريطانيا أظهر أن 51% من قادة الأعمال يرون أن الذكاء الاصطناعي غير طريقة التوظيف، فيما ذكر 19% منهم أنهم قللوا من تعيين موظفين في الوظائف الابتدائية بسبب الذكاء الاصطناعي.
لوسي بيمونت، مديرة المنتجات في شركة SHL، أوضحت أن بعض شركات التوظيف الكبرى “تعيد تقييم حاجتها للموظفين المبتدئين أصلاً”، وأن هيكل المؤسسات آخذ في التحول من الهرم التقليدي إلى شكل “الماس” الذي يركز على مستويات الخبرة الوسطى أكثر من القاعدة العريضة للوظائف الجديدة.
وتقول بومونت: “الوظائف الابتدائية كانت دائماً بمثابة معمل التدريب، حيث يتعلم الناس من أخطائهم ويكتسبون ثقافة العمل… غيابها سيؤثر في جميع مستويات السلم الوظيفي مع الوقت”.
عرّاب الذكاء الاصطناعي يحذّر: الذكاء الاصطناعي سيستبدل مزيدًا من الوظائف في 2026
أدوار جديدة ومهارات مختلفة
مع ذلك، لم تختف الوظائف الابتدائية تمامًا؛ إذ تشير استبيانات أخرى إلى أن 45% من القيادات في شركات متوسطة الحجم بالبريطانية والأيرلندية يستخدمون الذكاء الاصطناعي لمساعدة الموظفين المبتدئين على العمل بكفاءة أعلى، وأن نحو ربعهم يرى أن الذكاء الاصطناعي يخلق بدوره وظائف جديدة.
في مجال تطوير البرمجيات مثلاً، أصبح دور الموظف المبتدئ الإشراف على مشاريع يُنجزها الذكاء الاصطناعي أو فرق عمل هجينة، مما يتطلب مهارات في الإدارة والعمل الجماعي واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي بشكل مبتكر.
وتقول بيمونت إن بعض الشركات بدأت تعتمد سياسة “التوظيف بناء على الإمكانات”، عبر البحث عن مواهب من تخصصات متنوعة كالحقوق وعلم النفس وليس فقط التقنية، انطلاقًا من أنه يمكن بناء المهارات الفنية لاحقاً، مع التركيز أكثر على التفكير النقدي والقدرة على التعلم.
لكن توجد إشكالية بحسب تشيني هاميلتون في مؤسسة Bloor للأبحاث، وهي كيف سيتسنى للموظف المبتدئ اكتساب “الحس المهني” إذا لم يمر بخطوات التنفيذ الأساسية بنفسه؟ “أعمال الروتين السابقة لم تكن مجرد أعمال، بل كانت أداة لاكتساب الحكم السليم والنضج المهني من خطأ وتجربة متكررة”.
مديرو مايكروسوفت: الإفراط في الاعتماد على وكلاء الذكاء الاصطناعي في البرمجة يهدد وظائف المبتدئين
من الإنتاج إلى التعرض المباشر
الحل المقترح هو التعامل مع أدوار المبتدئين باعتبارها “فرصة تعرض مباشر” للمهام بدلاً من مجرد تنفيذ إنتاجي؛ أي أن يعملون على مراجعة وتصحيح نتائج الذكاء الاصطناعي بإشراف مباشر من الخبراء، مع تدريبهم على بناء الخلفية والسياق الذي كان يكتسب بالكامل عبر الاحتكاك العملي والتكرار.
وهذا ما بدأت بعض الشركات بتجربته بالفعل، مثل FDM Group التي باتت تدرب موظفيها الجدد على حل مشكلات حقيقية بالاعتماد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتوجيه العملي، بدلاً من تدريبهم على الأدوات بحد ذاتها.
برأي هاميلتون، التحدي الأكبر ليس في “مدة الخدمة المبكرة”، بل في “المعرفة المبكرة”: “هل نحرص بصورة متعمدة على بناء سياق وخبرة لطبقة جديدة؟ أم أننا سنحصل فقط على جيل يعرف القليل عن كثير من المهام دون تعميق أو خبرة واقعية؟”
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.