الخلافات الزوجية... من التوتر إلى الاستنزاف النفسي
العلاقة غير السعيدة ليست مصدراً للألم العاطفي فحسب، بل قد تكون لها انعكاسات مباشرة على الصحة الجسدية والنفسية.
فالشجارات الحادّة والمتكرّرة قد تُؤدّي إلى اضطرابات في النوم وآلام بالقلب والعضلات، كما تجعل أفراد الأسرة بمن فيهم الأطفال أكثر عرضة لمشكلات صحية ونفسية.
في المقابل، ترتبط العلاقات السعيدة بصحة أفضل وعمر أطول، فيما تُعدّ تلك الوثيقة ذات النوعية المتدنّية عامل خطر صحياً يُوازي التدخين أو قلّة النشاط البدني وربّما يفوقهما.

الشجار المتكرّر لا يعني دائماً نهاية العلاقة (Pexels)
هل يُمكن إنقاذ علاقة متعثّرة؟
تُشير مجموعة متنامية من الأبحاث إلى أنَّ ذلك ممكن، خصوصاً عندما يكون الطرفان مستعدين للعمل على علاقتهما.
الخلافات الزوجية المتكرّرة ترتبط غالباً بقضايا ثابتة تستمر طوال العلاقة، مثل المال، تربية الأطفال، الحياة الجنسية وتوزيع السلطة والأعمال المنزلية، وصولًا إلى مسائل يومية تبدو أقلّ أهمية، كالنظافة والترتيب.
في دراسة طويلة الأمد أجراها عالم النفس جون غوتمان وفريقه، تبيّن أنَّ الأزواج ظلّوا بعد أربع سنوات يتجادلون حول النوع نفسه من القضايا في 69% من الحالات.
تظهر مشكلات المال بصورة متكرّرة في النزاعات الزوجية عبر أسر وثقافات مختلفة، فيما يُعدّ عدم التوازن بتقاسم الأعمال المنزلية مصدراً آخر للتوتر وقد يرتبط بارتفاع احتمال الطلاق.
إلّا أنَّ وجود الخلاف لا يعني بالضرورة أنَّ العلاقة سيّئة، فالأزواج السعداء وغير السعداء يختلفون على حدّ سواء.
الفارق الأساسي يكمن في كيفية تعامل الشريكين مع بعضهما أثناء الخلاف وخارجه.
تُبيّن الأبحاث أربعة سلوكيات ترتبط بتدهور العلاقة: الانتقاد، الاحتقار، الدفاعية، المماطلة أو الانسحاب من النقاش ورفض الانخراط فيه.
كما ترتبط النزاعات العدائية والهدّامة بارتفاع خطر الطلاق وبمشكلات في النوم، بينما يُمكن للخلافات البنّاءة التي تقوم على الاحترام، الفضول، اللّطف والسعي إلى حلّ مشترك أن تُعزّز العلاقة.
طريق استعادة القرب
العلاج الزوجي يُمكن أن يُساعد الأزواج على تجاوز أزماتهم، إذ توضح الأبحاث أنَّه يُحقّق أثراً إيجابياً لدى نحو 70% من الذين يخضعون له.
كما يُمكن أن يُحسّن الرضا عن العلاقة والحميمية العاطفية ويُخفّف الضيق المرتبط بها، فضلًا عن مساهمته في تحسين بعض المشكلات النفسية والجسدية الفردية.
يُؤكّد المعالج الزوجي والأستاذ في علم النفس جاي ليبو أنَّ التعاطف يكون غالباً قد تآكل لدى الأزواج الذين يصلون إلى مرحلة العلاج ولذلك تتمثّل إحدى المهام الأساسية بإعادة بنائه.
من مؤشّرات التحسّن القدرة على التحدّث والإصغاء مجدّداً والنظر إلى ما يحدث بين الشريكين بدل التركيز فقط على "المشكلات التي لديّ مع شريكي".
وترى عالمة النفس كاري كول أنَّ من العلامات المشجّعة أن يقول أحد الطرفين للآخر: "أستطيع أن أرى لماذا تشعر بهذه الطريقة" أيّ أن يتعامل مع وجهة نظر شريكه باعتبارها مشروعة حتى لو اختلف معها.
الفضول حيال الآخر يحمل دلالة إيجابية مثل: "أخبرني المزيد، كيف وصلت إلى هذا الاعتقاد؟".
فهم الدوافع والأحلام الشخصية خلف الخلافات قد يُساهم أيضاً في التوصل إلى حلول.

الأطفال ضحايا التوتر الأسري (Pexels)
في حالة زوجين كانا يتشاجران باستمرار بسبب المال، كشف العلاج أنَّ تجربة الفقر بطفولتهما شكّلت موقفين مختلفين: رغبة الزوجة في الادخار والأمان المالي، في مقابل رغبة الزوج بالإنفاق والاستمتاع بما حُرم منه سابقاً.
بعد فهم دوافع كلّ منهما، تمكّنا من الاتفاق على مبلغ للادخار وآخر للإنفاق.
تبقى الرغبة الحقيقية في العمل على العلاقة عاملاً أساسياً في نجاح العلاج.
حتى في حالات الانفصال، يُمكن للعلاج الزوجي أن يُساعد الطرفين على إدارة الانفصال بأقلّ قدر من العداء وحماية الصحة النفسية لأطفالهما.
مهارات الإصغاء والتعاطف لا تُفيد العلاقات المتعثّرة وحدها بل يُمكن أن تجعل العلاقات الجيّدة أكثر قوّة أيضاً.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.