خلافات الميزانية والطاقة والأمن تعرقل التوافق في قمة الاتحاد الأوروبي

عاد قادة الاتحاد الأوروبي، الجمعة، إلى المفاوضات في بروكسل لليوم الثاني من القمة، وسط خلافات بشأن الميزانية طويلة الأجل، وأسعار الطاقة، والهجرة، فيما تصدرت احتياجات أوكرانيا المالية والعسكرية جدول الأعمال، مع مطالبة كييف بمزيد من الدعم الأوروبي في ظل تراجع الثقة بين الحلفاء بسبب خطوات للرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتُبرت "مؤيدة لروسيا".
وقالت رئيسة الوزراء الدنماركية، مته فريدريكسن، قبل الاجتماع، إن أوكرانيا "تنفد أموالها الآن"، موضحة أن كييف تحتاج إلى تمويل أوروبي عاجل لعام 2026 وضمانات لتوفير الأموال في عام 2027، حتى تتمكن من شراء المعدات التي تحتاج إليها أو إنتاجها.
وأشارت إلى أن الدفاع الجوي يمثل إحدى أبرز احتياجاتها العسكرية. ودعت فريدريكسن إلى النظر في الأصول الروسية المجمدة باعتبارها مصدراً واضحاً للتمويل، معتبرة أن استخدامها يمكن أن يساعد في تمويل الدفاع الأوروبي وتحميل روسيا كلفة الأضرار التي تتسبب فيها.
خلافات بشأن أصول روسيا المجمدة
وفي هذا السياق، برزت الخلافات بشأن استخدام الأصول الروسية المجمدة، التي يوجد معظمها لدى مؤسسة "يوروكلير" المالية في بروكسل. وجدد رئيس الوزراء البلجيكي، بارت دي ويفر، معارضته خطط استخدام هذه الأصول ما لم تحصل بلاده على ضمانات غير محدودة ضد أي رد روسي.
وأبدت فرنسا بدورها حذراً إزاء المقترح، محذرة من احتمال انتهاك القانون الدولي، رغم أنها أبدت في فترات سابقة انفتاحاً أكبر على الفكرة.
وتزامنت المطالب المالية مع تحذيرات أوروبية من صعوبة تعويض بعض القدرات العسكرية التي تعتمد عليها أوكرانيا.
وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، إن العلاقات مع الولايات المتحدة أصبحت "صعبة للغاية" في بعض الأحيان، عقب قرار ترمب شراء الديزل من روسيا، وتقارير عن تقليص البيت الأبيض اتصالات خدمة "ستارلينك" في أوكرانيا.
وأضافت كالاس أن الأوروبيين يحاولون إقناع واشنطن بأن إنهاء الحرب يتطلب الضغط على الطرف المعتدي، ليس فقط لوقف القتال، بل أيضاً لمنع اندلاع حروب جديدة تشنها روسيا. وأعربت عن قلقها من تباطؤ اتصالات "ستارلينك"، الذي قالت أوكرانيا إنه أثر سلباً على العمليات في ساحة المعركة، محذرة من أن أوروبا لا تستطيع تعويض هذه القدرة في المدى القصير.
من جانبها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، قبيل اجتماع لمجلس الاتحاد الأوروبي، إن المفوضية تستعد لفرض الحزمة الـ22 من العقوبات على روسيا، ولن ترفع القيود الحالية قبل انتهاء الحرب.
وقالت فون دير لاين، إن روسيا لا تلتزم بوقف إطلاق النار في قطاع الطاقة، الذي أُعلن بدعم من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بل صعّدت هجماتها، ما يستدعي زيادة الضغط على موسكو.
وأضافت: "نعمل على الحزمة الـ22 من العقوبات، وهناك أمر واضح تماماً، وهو أننا لن نرفع أي عقوبات قبل أن تنهي روسيا الحرب".
وأشارت فون دير لاين إلى أن الاتحاد الأوروبي سيناقش احتياجات أوكرانيا المالية والموازنية والعسكرية لعامي 2026 و2027، مؤكدة أن التكتل سيساعد كييف على الاستعداد لفصل الشتاء، في ظل الهجمات الروسية على البنية التحتية للطاقة والمياه.
وتواجه أوكرانيا أزمة في ميزانيتها خلال الحرب، نتيجة عجز كبير في التمويل العسكري، وتعثر النمو الاقتصادي، ونقص الإيرادات المحلية بسبب تكثيف الضربات الروسية على الشركات والبنية التحتية.
في المقابل، قال رئيس الوزراء اللاتفي، أندريس كولبيرجس، إن خدمة "ستارلينك" أساسية لتمكين أوكرانيا من مواصلة القتال، محذراً من أن الشتاء سيكون قاسياً حتى مع توافر التمويل والدعم السياسي.
وأضاف أن أوروبا تمتلك بعض القدرات التي تحتاج إليها كييف، لكنها لا تملك ما يكفي منها، ما يجعل المسألة قضية استراتيجية تستدعي البحث.
الميزانية الأوروبية.. خلافات تؤجل التسوية
وعلى صعيد الميزانية متعددة السنوات عن الفترة بين عام 2028 إلى عام 2034، لم يتمكن القادة من إحراز تقدم يذكر خلال اليوم الأول من القمة، بعدما أخفقت الرئاسة الإيرلندية في تمرير مقترح تسوية يتضمن خفض الإنفاق بما يصل إلى 141 مليار يورو مقارنة بمقترح المفوضية الأوروبية.
وبعد 14 ساعة من المفاوضات، استمرت الخلافات بشأن حجم الميزانية وأولويات الإنفاق، فيما انتقلت الجولة المقبلة من المحادثات الجادة إلى نوفمبر.
ويسعى رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إلى التوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام، ويأمل أن تمهد قمة استثنائية مقررة في 26 نوفمبر الطريق أمام تسوية خلال ديسمبر.
وتقود ألمانيا والسويد والدنمارك والنمسا وهولندا، إلى جانب بلجيكا، توجهات تدعو إلى ضبط الإنفاق وربط المدفوعات بنتائج وأهداف محددة، مع التركيز على الأمن والتنافسية وحماية الحدود.
وتطالب هذه الدول بخفض النفقات، خصوصاً المخصصة لصناديق التماسك التي تستهدف تنمية المناطق الأقل ثراءً، فيما تعارض دول أخرى تقليص التمويل المخصص للزراعة والتنمية الإقليمية.
وانتقد كبير مفاوضي البرلمان الأوروبي بشأن الميزانية، زيجفريد موريشان، غياب التقدم، مشيراً إلى أن المجلس لم يتوصل بعد إلى موقف مشترك بشأن الميزانية، في حين اعتمد البرلمان موقفه بأغلبية كبيرة قبل ستة أشهر. وحذر من أن البرلمان لن يقبل ميزانية تُفاوض بشأنها على عجل في اللحظات الأخيرة.
وتزداد الضغوط للتوصل إلى اتفاق قبل نهاية العام بسبب الانتخابات المرتقبة في عدد من الدول الأوروبية، ولا سيما فرنسا، حيث من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية في ربيع 2027. وبحسب تقارير، أبلغ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القادة أن باريس لن تقبل اتفاقاً بشأن الميزانية بعد نهاية العام، تفادياً لتحول الملف إلى قضية انتخابية.
ولا يستطيع ماكرون الترشح لولاية ثالثة متتالية، فيما تشير استطلاعات الرأي الحالية إلى تقدم مارين لوبان، زعيمة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، على مرشحين مرتبطين بمعسكر ماكرون، بينهم رئيسا الوزراء السابقان جابرييل أتال وإدوارد فيليب.
ولا تقتصر المفاوضات على تحديد حجم الإنفاق، إذ يبحث الاتحاد أيضاً مصادر إيرادات جديدة لتمويل الميزانية. وتشمل المقترحات فرض رسوم على الأصول المشفرة والمقامرة عبر الإنترنت وشركات التكنولوجيا الرقمية الكبرى، إلى جانب الضرائب الخمس التي اقترحتها المفوضية الأوروبية سابقاً. غير أن الدول الأعضاء لا تزال منقسمة بشأن فرض ضرائب أوروبية جديدة، إذ تعارضها بعض الدول وتؤيدها أخرى، بينها فرنسا.
خلافات التحول الأخضر
وأدت الخلافات بشأن نظام تداول الانبعاثات الأوروبي إلى تعطيل جدول أعمال القمة، بعدما استغرقت المناقشات المتعلقة بفرض رسوم على انبعاثات السيارات نحو ثلاث ساعات، ما أعاق خطط كوستا للتركيز على التحديات الاقتصادية وأولويات الإنفاق في الاتحاد.
ويتركز جانب من الخلاف على نظام ETS2، الذي سيشمل انبعاثات المباني والنقل البري، بما في ذلك تدفئة المنازل، وسط مخاوف من انعكاس تطبيقه على تكاليف الطاقة التي تتحملها الأسر.
وتقود بولندا والتشيك وسلوفاكيا والمجر مطالب تأجيل النظام حتى عام 2030، بدعم من اليونان وإيطاليا، في حين تدعو دول الشمال الأوروبي إلى تطبيقه في أقرب وقت ممكن. وتعارض إسبانيا وفرنسا والبرتغال وهولندا تأجيلاً إضافياً.
وكان من المقرر بدء تطبيق النظام في عام 2027، قبل تأجيله إلى عام 2028. ويرى مؤيدو تأجيله مجدداً أن حرب إيران غيرت الظروف الاقتصادية وأوضاع الطاقة في أوروبا، وأدت إلى اضطرابات في الأسواق.
وفي محاولة لتجاوز الخلافات، دعا المجلس الأوروبي المفوضية، إلى تحديث تقييمها لتأثيرات النظام، خصوصاً تصميمه والضمانات المرتبطة به، من دون إقرار تأجيل رسمي جديد. وشدد القادة على ضرورة ضمان عمل سوق الكربون بكفاءة وشفافية، والحد من تقلبات الأسعار، والحماية من انتقال الانبعاثات إلى خارج الاتحاد، وتخفيف التأثير على أسعار الكهرباء.
وفيما يتعلق بأسعار الطاقة، اعتبر مسؤول يوناني رفيع أن استنتاجات المجلس الأوروبي تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، مشيراً إلى أن بلاده نجحت في تضمينها ضرورة النظر في تدابير إضافية لمعالجة ارتفاع الأسعار.
الهجرة والأمن البحري والهجمات الروسية
ومن المقرر أن تشمل مناقشات القادة أيضاً سبل حماية الاتحاد من "الهجمات الروسية الهجينة"، وتعزيز الأمن البحري، والتطورات في الشرق الأوسط، إلى جانب ملف الهجرة الذي يشهد انقساماً بشأن تشديد الرقابة على الحدود.
وفي هذا السياق، أيد المستشار النمساوي، كريستيان شتوكر، مقترحاً أعلنته رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، يهدف إلى توفير أساس قانوني للدول التي تعلق إجراءات طلبات اللجوء في ظروف استثنائية، مستشهداً بما وصفه بالتجربة التي شهدتها مدينة سبتة.
كما تسعى الدنمارك وألمانيا والنمسا واليونان وهولندا، إلى إنشاء مراكز لإعادة المهاجرين في دول خارج الاتحاد الأوروبي، بموجب التشريعات التي أقرها التكتل في وقت سابق من الشهر الجاري. وقال رئيس الوزراء الهولندي، روب ييتن، إن هذه الدول تأمل في تحقيق اختراق خلال نوفمبر، عندما يجتمع وزراء الهجرة مجدداً.
أوكرانيا والتوسع الأوروبي
وتزامنت مناقشات الأمن والدفاع مع مشاركة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في اجتماعات المجلس الأوروبي، حيث استقبله القادة بالتصفيق.
ومن المنتظر أن تتناول القمة أيضاً مسار توسيع الاتحاد الأوروبي والإصلاحات المؤسسية اللازمة لاستقبال أعضاء جدد، وفي مقدمتهم أوكرانيا والجبل الأسود، الذي يسعى إلى استكمال مفاوضات الانضمام خلال عام 2026.
وتستند المناقشات إلى وثيقة نشرتها المفوضية الأوروبية في 6 أكتوبر، تحدد التغييرات المطلوبة لضمان قدرة الاتحاد على العمل مع زيادة عدد أعضائه، بما يشمل إصلاح آليات اتخاذ القرار وتمويل السياسات المشتركة.
كما أعلن الرئيس القبرصي، نيكوس خريستودوليديس، أن قادة الاتحاد الأوروبي سيعقدون اجتماعاً مع تركيا على أعلى مستوى خلال أكتوبر، لبحث العلاقات بين الجانبين واستئناف محادثات السلام بشأن قبرص.
وقال إن إحراز تقدم في العلاقات الأوروبية التركية يعتمد على استئناف المفاوضات ضمن الإطار المتفق عليه، مشيراً إلى أن زيارة المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى قبرص، المرتقبة في أواخر الشهر، قد تساعد في تهيئة الظروف لاستئناف المحادثات.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.