العربية في العصر الرقمي.. قيمة اقتصادية تعزز الهوية والإبداع

قد تبدأ الفكرة من مقطع قصير على شاشة هاتف، أو من بيت شعر يتحول إلى أغنية يرددها الملايين. وبين المنصات الرقمية وخشبة المسرح، تتشكل مسارات جديدة تتيح للإبداع باللغة العربية الوصول إلى جمهور أوسع، والتحول إلى قيمة ثقافية واقتصادية مستدامة.
يتحدث العربية أكثر من 450 مليون شخص، لكن حضورها الرقمي لا يعكس هذا الاتساع؛ إذ يشكل المحتوى العربي أقل من 1% من المحتوى الرقمي العالمي، كما تمثل البيانات العربية أقل من 1% من بيانات تدريب النماذج اللغوية الكبيرة.
وتكشف هذه الفجوة عن إمكانات إبداعية ومعرفية وتجارية واسعة لم تستثمر بعد بالشكل الكافي.
تقع هذه القضية في صميم الدورة الخامسة من "كونغرس العربية والصناعات الإبداعية"، الذي ينظمه مركز أبوظبي للغة العربية، التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، يوم 20 سبتمبر في منارة السعديات في أبوظبي.
وتحت شعار "العربية بوصفها بنية حضارية: الهوية والمعرفة والقوة الاقتصادية في العصر الرقمي"، يجمع الكونغرس خبرات من مختلف مكونات المنظومة الإبداعية لبناء شراكات وحلول تعزز حضور العربية في الاقتصادين الإبداعي والرقمي.
المحتوى العربي أصل قابل للنمو
ضمن حوار مبتكر بعنوان "متى يتحول المحتوى إلى ملكية فكرية؟"، تقدم كندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى منصة تيك توك في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، رؤيتها حول بناء قيمة طويلة الأمد للمحتوى العربي.
وتؤكد إبراهيم ضرورة النظر إلى المحتوى العربي بوصفه أصلا قابلا للتطوير والاستثمار. ويتطلب ذلك وضوح ملكية الحقوق، وجودة الإنتاج، وبناء جمهور متفاعل، إلى جانب خطط تتيح انتقال المحتوى إلى صيغ وأسواق جديدة عبر الترخيص والتعاون والتوزيع من خلال المنصات.
وتوضح في حديثها إلى سكاي نيوز عربية أن تيك توك يرى بصورة مباشرة قدرة المحتوى العربي على جذب الجمهور وبناء مجتمعات نشطة. كما تساعد أنظمة التوصية على إيصال المحتوى إلى المستخدمين وفقا لاهتماماتهم وأنماط تفاعلهم، ما يمنح المبدعين فرصا أكبر للوصول إلى جماهير جديدة داخل المنطقة وخارجها.
وتعتمد القيمة التجارية للمحتوى، بحسب إبراهيم، على استمرارية التفاعل وقدرته على الانتشار عبر الأسواق. لذلك، يمتد دور المنصات من التوزيع إلى تزويد المبدعين بالأدوات والرؤى التي تساعدهم على فهم جمهورهم وتطوير أعمال قابلة للنمو.
وترى أن تعزيز القيمة التجارية للمحتوى العربي يحتاج إلى معايير أوضح لقياس الأداء والقيمة، وشراكات أقوى بين المبدعين والمنصات والناشرين والمنتجين والمعلنين. وعندما تتكامل هذه العناصر، يمكن للمحتوى أن ينتقل من نجاح رقمي مؤقت إلى ملكية فكرية مستدامة قادرة على تحقيق العائدات والانتقال بين الصيغ والمنصات والأسواق.
كما تؤثر التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل صناعة المحتوى، بما يشمل البحث والكتابة والإنتاج والتحرير والترجمة والتوزيع وتحليل الجمهور. وتساعد هذه الأدوات المبدعين على العمل بسرعة وكفاءة أكبر، وخفض بعض تكاليف الإنتاج، والوصول إلى جماهير أوسع.
وتشير إبراهيم إلى أن المنطقة تشهد تحولاً من الإنتاج المعتمد على الموهبة الفردية إلى منظومات تجمع المواهب بالأدوات والبيانات والتمويل والمنصات، لكن الموهبة تبقى أساس العملية الإبداعية، فيما توفر لها التكنولوجيا أدوات النمو والتطور. وهنا تبرز أهمية مسارات الكونغرس الستة: الملكية الفكرية، وسيادة المنصات، وهيكل رأس المال، وأنظمة الإنتاج، والمعرفة والبيانات العربية، والمبدعون بناة الاقتصاد.
أغاني من الجذور إلى العالمية
في جانب آخر من المشهد، يقدم المغني وكاتب الأغاني والعازف المصري حمزة نمرة نموذجاً لقدرة العمل المتجذر في ثقافته على عبور الحدود. ويشارك نمرة في أمسية حوارية موسيقية ضمن الكونغرس، يستعرض خلالها دور الشعر العربي واللهجات والموروث الموسيقي في صياغة أغان معاصرة.
ويصف حمزة، في حديثه إلى سكاي نيوز عربية، اللغة العربية بأنها "مساحة واسعة للإبداع"، بما تحمله من ثراء شعري وتنوع في اللهجات وقدرة على التعبير عن المشاعر الإنسانية. وتقدم أغنياته تجارب مشتركة مثل الحب والوحدة والاغتراب والصمود والذاكرة والأمل، مستندة إلى إحساس صادق يستطيع الوصول إلى الجمهور مهما اختلفت لغته أو ثقافته.
ويضرب حمزة المثل بمشروع "ريمكس"، إذ أعاد من خلاله تقديم ألوان من التراث الموسيقي العربي، ودمجها مع إيقاعات عالمية تشمل الجاز والروك والريغي والفلامنكو والموسيقى الإلكترونية. وقد تجاوزت مشاهدات إنتاجه الموسيقي، بما يشمل أعماله وما أعاد تقديمه من تراث الفن العربي، مليار مشاهدة على يوتيوب.
ويرى نمرة أن المنصات الرقمية غيرت طريقة وصول الموسيقى إلى الجمهور، ومنحت الأغنية العربية قدرة أكبر على الانتقال بين البلدان والثقافات. كما قربت الفنان من مستمعيه، وأتاحت له متابعة تفاعل مجتمعات مختلفة مع أعماله.
تلتقي رؤية كندة إبراهيم وتجربة حمزة نمرة في تأكيد رسالة الكونغرس: العربية بنية حضارية حية، تجسد الهوية، وتنتج المعرفة، وتفتح آفاقاً للإبداع والقيمة الاقتصادية. ومع تعزيز حضورها في التقنيات والمنصات، تتسع أمام المبدعين فرص بناء أعمال تنطلق من ثقافتهم، وتنافس في الأسواق العالمية، وتسهم في صناعة المستقبل.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.