بكى لغياب القرّاء... فانتشر فيديو دموعه أكثر من كتابه!
ألّف الروائي الجزائري حامد ياسين رواية "الصحراء عاصمة الضباب"، ودعا معارفه إلى حفل لتوقيعها، آملاً في أن يشاركه أحد فرحة إصدار عمله. كل شيء يبدو طبيعياً، إلى أن تعرف أن القاعة لم تستقبل الجمهور الذي انتظره.
لكن المفارقة أن مقطعاً مصوّراً من المناسبة، ظهر فيه الكاتب باكياً من شدّة التأثر، انتشر على نطاق واسع، مستقطباً التعاطف والتفاعل، في مشهد جعل دموعه تحظى باهتمام أكبر من الكتاب الذي جاء ليوقّعه.
ياسين، المولود عام 1973 في مدينة بئر العاتر بولاية تبسة شرقي الجزائر، له أعمال أدبية سابقة، من بينها رواية "أبناء القمر". وفي الفيديو المتداول، افتتح حديثه بقول الشاعر:
"نعيب زماننا والعيب فينا
وما لزماننا عيب سوانا".
ثم غلبته دموعه، فيما حاول صديقه الذي حضر لمساندته مواساته، قائلاً إن هذا شعور من يزرع ولا يحصد. وبين نسخ الرواية المكدّسة على الطاولة والقاعة شبه الخالية، بدا المشهد أقرب إلى خيبة كاتب انتظر أن يقطف شيئاً من ثمار جهده، فلم يجد من يشاركه اللحظة سوى صديق.
وفي حديثه لـ"النهار" قال إنه شعر بأن حلم حياته ينهار أمام عينيه، فلم يتمالك نفسه، فدخل في نوبة من البكاء العفوي، نتيجة تراكم العقبات والصعوبات التي واجهها، وشعوره بأنه يخوض تجربته وحيداً.
يصف ياسين الترويج لأعماله بأنه "محتشم". أما روايته "الصحراء عاصمة الضباب"، فيقول إنها عمل اجتماعي وثقافي وسياسي يُسقط واقع العالم العربي ومشكلاته على أحداثه، ويتناول عدداً من القضايا بأسلوب سلس.
أزمة قراءة أم أزمة علاقة بالكتاب؟
"نحن من صنعنا الهوة بين الكاتب والقارئ"، يقول ياسين، رافضاً النظر إلى المسافة بين الطرفين باعتبارها أمراً منفصلاً عن مسؤولية المجتمع. وفي رأيه، تبدأ معالجة أزمة القراءة من المدرسة، وتحديداً من المرحلة الابتدائية، عبر تعزيز المطالعة والحرص على منحها الوقت الكافي في المناهج التعليمية.
ويستعيد الكاتب صورة الطفل بوصفه ورقة بيضاء، معتبراً أن ما نغرسه فيه اليوم هو ما سنحصد أثره غداً. ومن هنا، لا تبدو أزمة القراءة بالنسبة إليه مشكلة تخص الكاتب وحده، بل نتيجة مسار تربوي وثقافيّ يبدأ منذ السنوات الأولى، ويؤثر في علاقة الأجيال بالكتاب لاحقاً.
وفي إطار دعم الأقلام الأدبية، أعلن اتحاد الكتّاب الجزائريين عن التواصل مع ياسين والاتفاق على إدراج جلسة أدبية وبيع بالتوقيع لأعماله في جناح الاتحاد ضمن فعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب "سيلا".

الروائي حامد ياسين وصديق له (فيسبوك)
ماذا قالت التعليقات؟
لم تقتصر ردود الفعل على التعاطف مع الكاتب. فقد كتب أحد المعلقين: "للأسف، صرنا في زمن أصبحت فيه القراءة آخر اهتمامات الكثيرين، وغدا الكتاب غريباً في زمن يزدحم بكل شيء إلا بالثقافة والمعرفة". وأعلنت معلّقة أخرى أنها ستكون أول من يشتري الكتاب، فيما انتقد آخرون ضعف التسويق للرواية، وربط بعضهم عزوف الجمهور عن شراء الكتب بتوجه القراء نحو النسخ الإلكترونية المجانية المتاحة بصيغة PDF عبر الإنترنت.
لكن تعليقات من نوع مختلف ظهرت بين هذه الأصوات، من بينها تعليق أحد المستخدمين: "هل تظن أنك عمرو دياب؟". وهكذا، لم تكن ردود الفعل متطابقة، بل تراوحت بين التضامن مع الكاتب، وانتقاد منظومة الترويج والنشر، والتعليق على المشهد نفسه بطرق مختلفة.
واللافت أن هذه التعليقات، على اختلافها، تحوّلت إلى جزء من قصة الكاتب. فبين من دعا إلى دعمه وشراء روايته، ومن حمّل المجتمع مسؤولية تراجع القراءة، ومن ناقش أثر النسخ الإلكترونية المجانية، برزت أسئلة تتجاوز الحادثة: هل يكفي أن يكتب المؤلف عملاً جيداً ليصل إلى جمهوره؟ وما دور دور النشر والتوزيع والتسويق والمؤسسات الثقافية في إيصال الكتب إلى القراء؟ وهل تتحمل المدرسة مسؤولية بناء علاقة مستدامة مع المطالعة؟
أما الأخطاء اللغوية والإملائية التي ظهرت في بعض التعليقات، فتطرح مفارقة إضافية في نقاش يدور أساساً حول القراءة والكتابة. فبينما يتحدث المتفاعلون عن غياب القراء، تكشف طريقة التعبير لدى بعضهم عن أن أزمة اللغة نفسها تستحق الاهتمام، من دون أن يعني ذلك أن أخطاء أفراد بعينهم تصلح دليلاً على مستوى القراءة في المجتمع كله.
لا يمكن الجزم بأن حفل توقيع ياسين هو الأول الذي يشهد حضوراً محدوداً، ولا بأن ما حدث يختصر واقع القراءة في الجزائر أو العالم العربي. لكن ما جعل قصته لافتة هو انتقالها من قاعة شبه خالية إلى فضاء رقمي واسع، حيث شاهد آلاف المستخدمين دموعه، وتفاعلوا معها، وناقشوا أزمته، فيما لا يزال السؤال قائماً عن عدد الذين سيبحثون عن الرواية نفسها ويقرؤونها.
وإذا كان حامد ياسين لم يجد من يقرأ له اليوم، فهل نصل غداً إلى زمن لا نجد فيه من يجيد الكتابة؟
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.