العراق أمام اختبار سعر صرف جديد.. مكاسب للموازنة وضغوط على المستهلك

لم يحتج العراقيون إلى وقت طويل لاستشعار أثر أحدث تغيير في سعر صرف العملة مقابل الدولار، إذ بدأ تجار في إعادة احتساب كلفة بضائعهم، فيما فضّل آخرون الاحتفاظ بالمخزونات المتاحة إلى حين اتضاح اتجاهات السوق خلال الأيام المقبلة.
وقرر مجلس الوزراء العراقي، الأربعاء، بناءً على توصية البنك المركزي، تعديل سعر صرف العملة، ليرتفع سعر الدولار للمستفيد النهائي إلى 1520 ديناراً، مقارنة بـ1320 ديناراً سابقاً. كما أصبح البنك المركزي يشتري الدولار من وزارة المالية بسعر 1500 دينار، بدلاً من 1300 دينار، ويبيعه إلى المصارف بـ1510 دنانير.
وقد يبدو الفارق، للوهلة الأولى، مجرد 200 دينار لكل دولار، لكنه في اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط والتجارة الخارجية يعني إعادة ترتيب معادلة مالية أوسع. فالدولة تحصل على معظم إيراداتها بالدولار من صادرات النفط، بينما تدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين وجزءاً كبيراً من نفقاتها المحلية بالدينار. وفي المقابل، يحتاج الاقتصاد إلى الدولار لتمويل واردات السلع والمعدات ومدخلات الإنتاج.
وبذلك، يؤدي ارتفاع سعر الدولار إلى حصول الخزينة على عدد أكبر من الدنانير مقابل إيراداتها النفطية، لكنه يرفع في الوقت نفسه كلفة حصول المستوردين على الدولار.
لماذا تغير السعر الآن؟
جاء القرار وسط ضغوط مالية واقتصادية متراكمة، في وقت تضررت فيه صادرات العراق النفطية من اضطرابات طرق التصدير المرتبطة بالحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بينما تعتمد الدولة على النفط لتأمين الجزء الأكبر من إيراداتها.
وتراجعت صادرات العراق النفطية إلى نحو 2.34 مليون برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بأكثر من 3.6 مليون برميل يومياً قبل الحرب، ما دفع بغداد إلى البحث عن مسارات تصدير بديلة مع اضطراب حركة الشحن عبر الخليج. ويتزامن ذلك مع إعداد موازنة اتحادية ضخمة لعام 2027، تفترض مسودتها إنفاقاً بنحو 217 تريليون دينار وعجزاً يتجاوز 40 تريليون دينار، على أساس سعر 58 دولاراً لبرميل النفط وصادرات تقارب 4 ملايين برميل يومياً.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح سعر الصرف أكثر من مجرد أداة للسياسة النقدية، إذ يرتبط مباشرة بقدرة الدولة على تحويل إيراداتها النفطية المقومة بالدولار إلى دنانير لتمويل الرواتب والنفقات والاستثمارات. فكل مليار دولار تبيعه وزارة المالية إلى البنك المركزي كان يدر عليها، وفق السعر السابق البالغ 1300 دينار للدولار، نحو 1.3 تريليون دينار. أما بالسعر الجديد البالغ 1500 دينار للدولار، فترتفع حصيلة المبلغ نفسه إلى 1.5 تريليون دينار، أي بزيادة قدرها 200 مليار دينار لكل مليار دولار.
وعلى سبيل المثال، إذا باعت وزارة المالية ما يعادل 80 مليار دولار إلى البنك المركزي خلال عام، فإن فرق سعر الصرف سيولد نحو 16 تريليون دينار إضافية مقارنة بالسعر السابق. لكن هذه الزيادة لا تعني خلق ثروة جديدة في الاقتصاد، وإنما تعكس إعادة تقييم قيمة الإيرادات الدولارية للدولة بالدينار.
الموازنة تربح.. فمن يدفع الفارق؟
إذا كانت الكلفة الخارجية لسلعة مستوردة تبلغ 100 دولار، فإن المستورد العراقي كان يحتاج، وفق سعر الصرف السابق البالغ 1320 ديناراً للدولار، إلى نحو 132 ألف دينار لتوفير قيمتها، مقابل 152 ألف دينار وفق السعر الجديد للمستفيد النهائي، وذلك قبل احتساب تكاليف النقل والجمارك والتخزين وهوامش الأرباح.
ولا يقتصر الأثر على السلع المستوردة الجاهزة، إذ قد يعتمد المنتج المحلي نفسه على مواد أولية وقطع غيار ومدخلات إنتاج مرتبطة بالدولار، ما يجعل ارتفاع كلفة الاستيراد يمتد إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد.
ويقول الخبير المالي عبد الرحمن المشهداني، في تصريح لـ"الشرق بلومبرغ"، إن تأثير القرار يبدأ منذ لحظة الإعلان عنه، متوقعاً أن يمتد إلى معظم القطاعات، وفي مقدمتها المواد الغذائية. ويعزو ذلك إلى اعتماد العراق الكبير على السلع المستوردة، ما يجعل انتقال أثر تغير سعر الصرف إلى الأسعار سريعاً. ويحذر المشهداني من أن رد فعل الأسواق قد يتجاوز أحياناً نسبة التغير الفعلية في سعر الدولار، بفعل التوقعات والمضاربة والتسعير الاحترازي.
ولا يتوقع المشهداني أن يتوقف التأثير عند أسعار الغذاء، بل يرى أنه قد يمتد إلى النقل والسكن والخدمات ومدخلات الإنتاج، بما يزيد الضغوط التضخمية على الاقتصاد.
من جانبه، يقول الخبير المالي صادق البهادلي، لـ"الشرق بلومبرغ"، إن إجراءات تعديل سعر الصرف ستكون "مؤلمة" للمستهلك في ظل اعتماد العراق الكبير على الاستيراد بالدولار، ولا سيما في الأجهزة الكهربائية والأدوية والسلع المختلفة.
ويتوقع البهادلي أن تدفع الضغوط الناتجة عن تعديل سعر الصرف المستوى العام للأسعار إلى الارتفاع بنحو 13%، مشيراً في المقابل إلى أن القرار يوفر فائدة مباشرة للموازنة الاتحادية.
ولا يعني هذا التقدير أن التضخم الرسمي سيرتفع تلقائياً بالنسبة نفسها، إذ إن انتقال أثر خفض قيمة الدينار إلى الأسعار على عوامل عدة، من بينها حركة سعر الدولار في السوق الموازية، والأسعار العالمية، وطبيعة تمويل الاستيرادات، وإجراءات الحكومة، ومدى قدرة الشركات على امتصاص جزء من الزيادة في تكاليفها بدلاً من تمريرها كاملة إلى المستهلك.
الحكومة.. القرار ليس لسد العجز فقط
في مقابل المخاوف من ارتفاع التضخم، تقدم الحكومة والبنك المركزي قراءة أوسع للقرار. فقد وصف البنك المركزي، في بيان صدر الأربعاء، تعديل سعر الصرف بأنه "خطوة استراتيجية لتعزيز الاستقرار المالي"، موضحاً أن القرار جاء بالتنسيق مع الحكومة وفي إطار التعامل مع المتطلبات المالية والاقتصادية والنقدية الراهنة.
وفي تفسيره للفوائد المتوقعة، يراهن البنك المركزي على أن ارتفاع كلفة السلع الأجنبية سيمنح المنتج العراقي مساحة أكبر للمنافسة، بما قد يشجع على توسع المصانع والشركات المحلية، ويدعم القطاعات غير النفطية والمشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويسهم في خلق فرص عمل.
وفي الوقت نفسه، سعى البنك إلى احتواء المخاوف بشأن توافر الدولار، مؤكداً أن احتياطياته الأجنبية تتيح له تلبية طلبات التحويل الخارجي لتمويل التجارة، وتسوية مدفوعات البطاقات المصرفية، وتوفير احتياجات المسافرين من النقد الأجنبي.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، إذ كان البنك المركزي قد أرجع، في بيان صحفي سابق، ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية قبل أسابيع من قرار تعديل سعر الصرف إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية، مؤكداً في ذلك الوقت قدرته على تمويل التجارة الخارجية بالسعر الرسمي.
وبذلك تقوم الرؤية الرسمية على مسارين متوازيين: الأول، زيادة حصيلة الدولة من الدنانير مقابل إيراداتها النفطية المقومة بالدولار؛ والثاني، محاولة تحويل ارتفاع كلفة السلع المستوردة إلى حافز لتعزيز الإنتاج المحلي.
غير أن المسار الثاني يبدو أكثر تعقيداً، إذ إن المصنع العراقي الذي يعتمد على استيراد المعدات أو المواد الأولية ومدخلات الإنتاج بالدولار سيواجه بدوره ارتفاعاً في تكاليفه. وعليه، فإن حجم استفادته من ارتفاع كلفة المنتجات المنافسة المستوردة سيتوقف، إلى حد كبير، على نسبة المكونات المحلية في إنتاجه، إلى جانب عوامل أخرى تشمل كلفة الكهرباء والتمويل والنقل والجمارك وبيئة الأعمال.
سعر الصرف.. قصة بدأت قبل أكثر من عقدين
القرار الجديد ليس أول تحول يمر به الدينار العراقي منذ تغيير النظام السياسي في 2003، لكنه يأتي في مرحلة أصبحت فيها تحركات سعر الصرف أكثر ارتباطاً بأزمات المالية العامة وتقلبات الإيرادات النفطية. فبعد إصدار العملة العراقية الجديدة بين أواخر 2003 ومطلع 2004، كان الدولار عند مستوى يقترب من ألفي دينار، إذ بلغ متوسط سعره نحو 1949 ديناراً في أكتوبر 2003 ونحو 1975 ديناراً في نوفمبر من العام نفسه، قبل أن يبدأ الدينار في استعادة قيمته تدريجياً.
وخلال عام 2004، تراجع سعر الدولار إلى نحو 1460 ديناراً، وظل قريباً من هذه المستويات خلال السنوات التالية، قبل أن يتجه البنك المركزي العراقي إلى تعزيز قيمة الدينار تدريجياً، ليقترب سعر الدولار من 1170 ديناراً مع نهاية العقد الأول بعد 2003.
وفي يناير 2012، استقر سعر الصرف عند 1166 ديناراً للدولار، قبل أن يُعدّل بشكل محدود في ديسمبر 2015 إلى 1182 ديناراً. وظل الدينار مستقراً نسبياً لسنوات، إلى أن جاءت أزمة 2020، التي تزامنت مع جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط وتراجع إيرادات الدولة.
وفي 19 ديسمبر 2020، قرر البنك المركزي العراقي خفض قيمة الدينار، وحدد سعر شراء الدولار لوزارة المالية عند 1450 ديناراً، وسعر بيعه للجمهور عند 1470 ديناراً.
وبرر البنك القرار آنذاك بالحاجة إلى مواجهة العجز الكبير، وتوفير التمويل اللازم للرواتب والنفقات الحكومية، وتجنب استنزاف الاحتياطيات الأجنبية، داعياً الحكومة في الوقت نفسه إلى ترشيد الإنفاق وإصلاح النظامين الضريبي والجمركي، ودعم الفئات الهشة المتضررة من تغيير سعر الصرف. وقال البنك في بيانات وتصريحات حينها إن الخفض سيكون "لمرة واحدة فقط ولن يتكرر"، وهو ما لم يحدث فعلياً.
ومع تحسن الإيرادات النفطية وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، قررت الحكومة في فبراير 2023 رفع قيمة الدينار، ليصبح سعر الدولار لوزارة المالية 1300 دينار، وسعر بيعه للمستفيد النهائي 1320 ديناراً. واستمر هذا السعر لأكثر من 3 سنوات، قبل أن تعود الضغوط المالية والاقتصادية لتدفع سعر الصرف في الاتجاه المعاكس في 7 أكتوبر 2026، عندما ارتفع سعر الدولار لوزارة المالية إلى 1500 دينار، وسعر بيعه للجمهور إلى 1520 ديناراً.
وهكذا، انتقل العراق خلال أكثر من عقدين من مرحلة شهدت تعزيزاً تدريجياً وطويلاً لقيمة الدينار، إلى مرحلة أصبحت فيها تحركات سعر الصرف أكثر حدة: خفض كبير لقيمة العملة في 2020، ثم رفع لقيمتها في 2023، فخفض جديد في 2026. وبينما ارتبطت كل محطة بظروفها الاقتصادية والمالية الخاصة، فإن عامي 2020 و2026 يشتركان في خلفية أساسية تتمثل في الضغوط على المالية العامة المرتبطة بالإيرادات النفطية، وحاجة الدولة إلى موارد أكبر بالدينار لتمويل نفقاتها.
السوق الموازية.. الامتحان الأصعب
رغم ذلك، فإن نجاح القرار لن تحدده حسابات الموازنة وحدها، إذ يعيش العراق منذ سنوات على سعرين للدولار: سعر رسمي توفر بموجبه المؤسسات المالية العملة وفق ضوابط البنك المركزي العراقي، وسعر موازٍ يتحدد في أسواق الصرف، أو ما يعرف بالسوق السوداء. وقد اتسعت الفجوة بين السعرين، خصوصاً بعد تشديد قواعد التحويلات الخارجية ومتطلبات الامتثال المصرفي، ضمن خطط الإصلاح التي انتهجها البنك المركزي، وهو ما أبقى جزءاً من الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية.
وبالتالي، فإن رفع السعر الرسمي من 1320 إلى 1520 ديناراً للدولار لا يعني بالضرورة اختفاء السوق الموازية. وأظهرت الساعات الأولى لتطبيق القرار استمرار الفجوة، إذ تجاوز سعر الدولار في بعض الأسواق 170 ألف دينار لكل 100 دولار، فيما علقت بعض مكاتب الصرافة في محافظة أربيل شمالي العراق عمليات البيع وسط حدة التقلبات، مقارنةً بالسعر الرسمي البالغ 152 ألف دينار لكل 100 دولار.
ويقول الخبير المالي الدكتور عبد الرحمن المشهداني إن الفجوة بين السعرين ستكون المعيار الأهم للحكم على مدى نجاح السياسة الجديدة. ويوضح أنه إذا استطاع البنك المركزي توفير الدولار للطلب المشروع، واقترب سعر الصرف في السوق الموازية من السعر الرسمي، فإن ذلك سيساعد على احتواء جزء مهم من الضغوط. أما استمرار الفارق الواسع بين السعرين، فيعني أن تغيير السعر الرسمي لم يعالج الأسباب الأساسية التي تدفع الطلب على الدولار نحو السوق الموازية.
وفي وقت تدافع فيه السلطة التنفيذية، ممثلة بالحكومة ووزارة المالية، عن القرار باعتباره استجابة للمتطلبات المالية والاقتصادية، انتقل الجدل سريعاً إلى البرلمان. فقد صوت مجلس النواب، الأربعاء، على تأجيل جدول أعمال جلسته وتحويلها إلى مناقشة عامة بشأن رفع سعر الدولار، فيما طالب أعضاء في المجلس الحكومة بالتراجع عن القرار، محذرين من أن تداعياته لن تقتصر على الفقراء ومحدودي الدخل، بل ستمتد إلى الطبقة المتوسطة أيضاً.
وجُمع أكثر من 50 توقيعاً نيابياً للمطالبة بمناقشة تداعيات القرار، ليصبح سعر الصرف منذ يومه الأول نقطة خلاف بين رؤية حكومية تعتبره أداة لمعالجة الضغوط المالية وتحقيق الاستقرار المالي ودعم الإنتاج المحلي، ومخاوف نيابية من أن تتحول معالجة اختلالات الموازنة إلى كلفة اقتصادية واجتماعية تتحملها الأسر.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.