دجاجة المفاوضات وبيضة السلاح
ما كان منتظراً من الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم أن يقول غير ما قاله في الذكرى السنوية الثانية للأمين العام السابق حسن نصرالله. قال قاسم كلاماً مكرراً ومعروفاً وعاطفياً من دون أي إضافة نوعية تأخذ في الاعتبار وقائع حرب الثلاث سنوات الماضية في المنطقة.
لايزال الرجل (والحزب) يعتمد، في العمق، الخطاب نفسه في ما يتعلق بتسوية الأزمة السياسية الداخلية في لبنان المتمحورة حالياً حول سلاحه. حمل قاسم مسؤولية تحرير الجنوب للدولة اللبنانية التي ذهبت إلى مفاوضات مع إسرائيل يعتبرها الحزب خيانةً، رافعاً المسؤولية عن حزبه الذي طالما تباهى بأنه بطل التحرير الأول القادر على التحرير مرة جديدة.
يعرف الحزب أن الدولة بقواها الحالية وتناقضاتها السياسية وانهيارها الاقتصادي عاجزة عن تحرير الأراضي التي احتلتها إسرائيل بالقوة، ولا حتى بالمفاوضات، وأن حركتها السياسية والديبلوماسية لدى واشنطن وغيرها لن تجبر إسرائيل على الانسحاب غداً إلى الحدود الدولية.
لكنه هو أيضاً يبدو مكبل اليدين ولا يبدي أي حراك حيال الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على المدن والقرى الجنوبية التي أزالت إسرائيل عددا كبيراً منها من الوجود. ما يأخذه على عجز الدولة يقع هو فيه. الواقع أقوى من الخطابات، الرسمية والحزباللاهية. إسرائيل طليقة اليدين في الجنوب اللبناني وإذا أرادت التقدم باتجاه إقليم التفاح وجزين فلا توجد قوة تمنعها، لا سياسياً ولا عسكرياً.
التحرير بين المفاوضات والسلاح
يربط قاسم والحزب تسليم السلاح الى الدولة بتحريرها الجنوب، وتربط الدولة قدرتها على تحرير الجنوب عبر المفاوضات بتسلمها السلاح، مستندة إلى وعود أميركية ومطالبات دولية وعربية ومحلية بحصرية السلاح بيد الدولة. وهكذا تراوح الأزمة مكانها، فلا الحزب قادر على استخدام سلاحه، أقله في ظل موازين القوى الحالية، ولا الدولة قادرة على سحبه منه بالقوة في ظل الواقع الداخلي الهش. وحتى إشعار آخر يبقى السؤال المحير قائماً: الدجاجة قبل أم البيضة؟
الكل مأزوم في لبنان والبلد يكاد ألا يخرج من حفرة حتى يقع في أخرى، لا شيء يسير في الاتجاه الصحيح ولا مشكلة تصل إلى خواتيم مرضية. بشق النفس تسير عجلة الإدارة والاقتصاد والأمن والصحة والتعليم والبيئة، فضلاً عن السياسة. الدولة مسؤولة بالطبع، لكن قدرتها محدودة والوضع الناتج من الاجتياح الإسرائيلي فوق إمكاناتها المعدومة أصلاً وهو استنزف البلد كله باستنزافه العمران والاقتصاد الجنوبيين. و"حزب الله" مسؤول أيضاً أمام بيئته وأمام عموم اللبنانيين ولا يستطيع مواجهة الناس بالخطاب نفسه الذي كان سائداً منذ عام 2000.
مأزق الحزب
رغم الحديث في الإعلام وفي الجلسات الخاصة في بعض أوساط الحزب ومريديه عن نقاش داخلي في أولويات الحزب وطريقة تعامله مع الأزمة الحالية التي يواجهها هو والبلد، يبدو أن التيار الراجح حتى الآن هو التيار "الإيراني" المتشدد الذي لايزال يعتبر الحزب جزءاً من محور الممانعة يقوى به ويعتبر انجازاته في اليمن والعراق وهرمز انتصارات خاصة به. لقد عبّر بعض قياديي الحزب عن احتفائهم بسيطرة الحوثيين على باب المندب معتبرينها نصراً لهم. لا يغادر الحزب خطابه الأصلي إطلاقاً رغم معرفة قيادته بأن القاعدة الشعبية لم تعد كما كانت قبل حربي الإسناد وما تبعهما من تدمير وحشي واحتلال لعشرات المدن والبلدات الجنوبية.
لا شك في أن الحزب يعيش مأزقاً مصيرياً غير خافٍ على أحد، لكنه يبدو مكبلاً وغير قادر على الخروج من أكثر من عشرين عاماً من خطابات القوة والنصر والماورائيات التي كرست نوعاً من اليقينيات لدى عناصره وبيئته، يقينيات لايزال بعضهم غير مصدق أنها ليست يقيناً إلهياً، حتى.
هكذا يبدو الأفق مسدوداً حتى الآن، ولن يخرج لبنان من أزماته قبل خروج المنطقة كلها، وهذا أيضاً يبدو أفقه مسدوداً حتى الآن لأن جميع أطراف الصراع في مأزق ليس لبنان الا حلقة ضعيفة فيه.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.