"رومان" ينطلق إلى الكون.. عين تكمل "هابل" و"جيمس ويب"
انطلق تلسكوب "نانسي غريس رومان" الفضائي في مهمة قد تغير طريقة اكتشاف الكون، لا لأنه يرى أعمق من "جيمس ويب" أو يقدم صورا أدق من "هابل"، بل لأنه يستطيع مسح مساحات هائلة من السماء بسرعة غير مسبوقة.
فما يحتاج "هابل" إلى نحو قرن لرصده، يستطيع "رومان" إنجازه خلال شهر واحد، جامعا بين دقة التلسكوبات الكبرى والرؤية البانورامية الواسعة.
وأطلقت شركة "سبيس إكس" التلسكوب، الأحد، من مركز كينيدي للفضاء في فلوريدا على متن صاروخ "فالكون هيفي"، قبل أن ينفصل عنه بنجاح ويبدأ رحلته إلى نقطة لاغرانج الثانية، على بعد نحو 1.6 مليون كيلومتر من الأرض.
وتبلغ كلفة المهمة نحو 4.3 مليار دولار، وقد أنجزت قبل موعدها بنحو تسعة أشهر وضمن الميزانية المقررة، وفق وكالة "أسوشيتد برس"، ومن المقرر أن تبدأ العمليات العلمية خلال عام 2027، بعد الوصول واختبار الأجهزة ومعايرتها.
عين للسماء الواسعة
يمتلك "رومان" مرآة يبلغ قطرها 2.4 متر، وهو الحجم نفسه تقريبا لمرآة "هابل"، لكنه مزود بكاميرا للأشعة تحت الحمراء ذات مجال رؤية أوسع منه بأكثر من مئة مرة.
هذا الفارق هو جوهر المهمة. فبينما يلتقط "هابل" صورا شديدة الدقة لرقع صغيرة من السماء، يستطيع "رومان" تصوير مساحات واسعة بالدقة نفسها تقريبا، ما يتيح له رصد مليارات المجرات وملايين النجوم والظواهر النادرة التي يصعب العثور عليها عند مراقبة جزء ضيق من الكون.
وقال علماء في إدارة الطيران والفضاء الأميركية (ناسا)، إن شهرا واحدا من عمل "رومان" لمسح مجرة درب التبانة قد يحتاج "هابل" إلى نحو مئة عام لإنجازه، وتقدر الوكالة أن التلسكوب سيولد قرابة 500 تيرابايت من البيانات سنويا، أي أكثر مما جمعه "هابل" طوال 35 عاما.
رومان وهابل وجيمس ويب
لا يحل "رومان" محل "هابل" أو "جيمس ويب"، بل يؤدي وظيفة مختلفة ضمن شبكة متكاملة من المراصد.
"هابل" هو العين الدقيقة التي قدمت صور الكون الأكثر شهرة، وتعمل أجهزته في نطاقات تشمل الضوء المرئي والأشعة فوق البنفسجية والقريبة من تحت الحمراء. لكنه يرى مساحة محدودة في كل لقطة.
أما "جيمس ويب"، بمرآته التي يبلغ قطرها 6.5 متر، فهو أكثر حساسية للأشعة تحت الحمراء، ويمكنه النظر إلى أعماق أكبر ورصد المجرات والنجوم التي ظهرت في المراحل الأولى من عمر الكون. يشبهه علماء ناسا بعدسة التقريب التي تركز على أجسام بعيدة وخافتة للغاية.
ويقابل ذلك "رومان" بوصفه عدسة واسعة الزاوية. سيبحث أولا في مساحات ضخمة عن المجرات والكواكب والظواهر الغريبة والنادرة، ثم يستطيع "جيمس ويب" أو "هابل" توجيه أدواتهما نحو الأهداف الأكثر أهمية لدراستها بالتفصيل.
خريطة للكون المظلم
تتركز المهمة العلمية الأساسية لـ"رومان" على لغزين يشكلان معا نحو 95 بالمئة من محتوى الكون: المادة المظلمة والطاقة المظلمة.
المادة المظلمة لا ترى مباشرة، لكن العلماء يستدلون عليها من تأثير جاذبيتها في النجوم والمجرات. أما الطاقة المظلمة فهي الاسم المستخدم للقوة الغامضة التي يُعتقد أنها تقف وراء تسارع تمدد الكون.
وسيرسم "رومان" خريطة ثلاثية الأبعاد لأكثر من ملياري مجرة، ويتابع آلاف المستعرات العظمى ويقيس التشوهات الدقيقة التي تحدثها الجاذبية في الضوء. وقد تسمح مقارنة مواقع المجرات وتطورها عبر مليارات السنين بفهم كيفية توزيع المادة المظلمة، وما إذا كانت الطاقة المظلمة ثابتة أم تغيرت مع عمر الكون.
وقد تكشف النتائج أيضا إن كانت نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين تظل صحيحة عند تطبيقها على أوسع المقاييس الكونية.
البحث عن عوالم جديدة
ستكون المهمة الثانية إجراء واحد من أوسع الإحصاءات للكواكب خارج المجموعة الشمسية، وبدلا من البحث فقط عن الكواكب القريبة من نجومها، سيستخدم "رومان" ظاهرة "العدسة الجاذبية الدقيقة"، التي تحدث عندما تعمل جاذبية جرم عابر مثل عدسة تضخم ضوء نجم بعيد.
ويتوقع علماء ناسا أن تساعد عمليات المسح في اكتشاف عشرات الآلاف، وربما نحو 100 ألف كوكب جديد، تشمل كواكب باردة وبعيدة عن نجومها، وأخرى حرة تسبح في الفضاء من دون الارتباط بنجم.
كما يحمل التلسكوب جهاز "كوروناغراف" تجريبيا يحجب ضوء النجم، لمحاولة التقاط صور مباشرة للكواكب الخافتة المحيطة به. وإذا أثبت الجهاز كفاءته، فقد يمهد الطريق لتلسكوبات مستقبلية قادرة على تصوير كواكب شبيهة بالأرض.
مرآة صُنعت للتجسس
تحمل المهمة مفارقة لافتة؛ فالمرآة الرئيسية لـ"رومان" لم تُصنع أصلا لدراسة النجوم، بل كانت واحدة من مرآتين فائضتين تبرع بهما مكتب الاستطلاع الوطني الأميركي لناسا بعد تصنيعهما لبرنامج أقمار تجسس.
تحولت بذلك أداة صممت لمراقبة الأرض إلى واحدة من أسرع العيون الموجهة نحو الكون.
لكن نجاح الإطلاق ليس سوى البداية. فما زال على التلسكوب الوصول إلى موقعه، ونشر أجزائه واجتياز اختبارات دقيقة قبل بدء العمل العلمي. وإذا اكتملت هذه المراحل، فلن تكون قيمة "رومان" في صورة واحدة مبهرة، بل في قدرته على بناء أكبر أرشيف بانورامي للكون، وفتح الطريق أمام "هابل" و"جيمس ويب" للتركيز على أغرب ما يعثر عليه.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.