استقالة مفاجئة تربك تحقيقاً يستهدف خصوم ترمب.. وتهدد بمزيد من التأخير

أدت الاستقالة المفاجئة للمدعي العام المشرف على تحقيق واسع بوزارة العدل الأميركية يستهدف مسؤولين سابقين قادوا تحقيقات طالت الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى دفع التحقيق نحو حالة من الارتباك، وسط احتمال تأخر جديد في مساره، وفق ما أوردت شبكة CNN.
وقالت الشبكة، في تقرير نشرته الاثنين، إن جو ديجينوفا، المحامي في واشنطن والمدعي العام السابق الذي كان يقود التحقيق، استقال بعد يوم من مكالمة هاتفية متوترة جمعته، الأربعاء، بوزير العدل الأميركي تود بلانش، وفق مصدرين مطلعين على الأمر.
وتركّز الخلاف الأخير حول مسعى ديجينوفا لمنع محامين أوفدتهم قيادة وزارة العدل في واشنطن من مساعدة فريق التحقيق، وذلك في أعقاب خلافات أوسع مع كبار مسؤولي الوزارة بشأن وتيرة التحقيق.
أبرز الخلافات
ومن بين الخلافات التي زادت من حدة التوتر بين ديجينوفا ورؤسائه في واشنطن، طلبه إنشاء غرفة أمنية عالية التحصين تُعرف اختصاراً باسم "SCIF" في مكتب فورت بيرس بولاية فلوريدا، لتمكين فريق الادعاء من تخزين الوثائق شديدة السرية، وفق شخصين مطلعين على التحقيق تحدثا إلى CNN.
وكان الفريق يعمل في مكتب يضم غرفة خاصة يمكن التعامل فيها مع الأدلة الحساسة، ولكن ليس تلك المصنفة ضمن أعلى درجات السرية. وأبلغ مسؤولو وزارة العدل ديجينوفا وفريقه بضرورة استخدام غرفة "SCIF" في مكتب تابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي FBI على بُعد أميال من مقرهم، وفق مصادر تحدثت إلى الشبكة.
كذلك ضغط ديجينوفا من أجل زيادة عدد المحامين في فريقه، فيما رفض مسؤولو وزارة العدل أي مزاعم بأنه حُرم من الموارد اللازمة، بحسب مصدرين مطلعين على التحقيق.
وعلى مدى أكثر من عام، دفع مسؤولو وزارة العدل باتجاه توجيه اتهامات جنائية إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA السابق جون برينان، الذي يُتهم بالإدلاء ببيانات كاذبة أمام الكونجرس، وظل لسنوات موضعاً لغضب الرئيس.
ومنذ انضمامه إلى التحقيق في أبريل الماضي، اختار ديجينوفا المضي في توجيه مجموعة أوسع من الاتهامات إلى عدد من منتقدي ترمب السياسيين، من بينهم برينان، ممن شاركوا في تحقيقات استهدفته على مدى العقد الماضي.
واستقال ديجينوفا، الخميس، في يوم شهد نشاطاً مكثفاً للتحقيق، إذ كان المحققون يقدمون شاهداً للإدلاء بشهادته أمام هيئة محلفين كبرى في إطار التحقيق، الذي يمثل إحدى أولويات ترمب الرئيسية، وفق مصدر مطلع.
تجاوز الجدول الزمني المتوقع
وقد تؤدي مغادرة ديجينوفا المفاجئة إلى مزيد من التأخير في التحقيق، الذي تجاوز بالفعل التوقعات الداخلية السابقة بإعلان اتهامات في وقت سابق من العام. وكان مسؤولو وزارة العدل يتوقعون احتمال صدور أول اتهامات في وقت مبكر من هذا الشهر، وفق ما أوردت CNN في وقت سابق.
وقال مسؤول أميركي في مجال إنفاذ القانون إن مسؤولي الوزارة يشعرون، بعد رحيل ديجينوفا، بالثقة في فريق التحقيق، ويتوقعون أن يكتسب زخماً أكبر.
ورفض ديجينوفا التعليق، بخلاف ما أدلى به لـCNN الأسبوع الماضي، حين وصف خدمته للرئيس ووزارة العدل بأنها شرف، مضيفاً: "بصفتي مدعياً عاماً سابقاً أمضى أكثر من 50 عاماً في المهنة، أتعامل مع القضايا بالطريقة التقليدية: الشهود والأدلة وما إلى ذلك. وهذا يستغرق وقتاً".
خلاف حول جدوى القضية
وكان المدعون العامون الذين يتولون التحقيق قد أبدوا اعتراضهم على المضي قدماً في القضية، وأعدوا تحليلاً قانونياً أثار مخاوف بشأن عدم كفاية الأدلة اللازمة لإقامة دعوى قضائية. لكن كبار مسؤولي وزارة العدل اختلفوا معهم، وأبعدوا في أبريل ماريا ميديتيس لونج، المدعية العامة التي كانت تتولى التحقيق.
وتولى ديجينوفا قيادة التحقيق، وقرر توجيه مجموعة أوسع من الاتهامات إلى منتقدين سياسيين لترمب شاركوا في التحقيقات التي استهدفته على مدى العقد الماضي.
وبحسب خطة ديجينوفا للتحقيق، كان من المقرر أن يبحث في جرائم محتملة مرتبطة بالتحقيقات الحكومية التي استهدفت ترمب، بدءاً من التحقيق في التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية عام 2016، وصولاً إلى الاتهامات الفيدرالية الموجهة إلى الرئيس الأميركي في قضية اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير 2021، وقضية الوثائق السرية التي عُثر عليها في منتجعه "مارالاجو".
ورغم الخلافات التي جرت خلف الكواليس، بدا أن النشاط التحقيقي تكثّف في الأسابيع الأخيرة، مع إصدار العديد من مذكرات الاستدعاء لشهود، بهدف الحصول على وثائق، وفي بعض الحالات للإدلاء بشهاداتهم أمام هيئة محلفين كبرى، وفق ثمانية أشخاص مطلعين على الأمر.
وبعد يوم من استقالة ديجينوفا، أوضح محامو وزارة العدل لمحامي مدير وكالة الاستخبارات المركزية CIA السابق جون برينان طبيعة التحقيقات الجارية، وفق مذكرة قضائية جديدة.
وجاء في المذكرة أن هناك تحقيقات متعددة تجريها هيئات محلفين كبرى، فضلاً عن تحقيق "واسع النطاق" في مكتب فورت بيرس بفلوريدا، يشمل "قضايا تتعلق بمنتجع مارالاجو وما وراءه"، لتحديد ما إذا كانت الحقوق المدنية للرئيس ترمب قد انتُهكت.
وكتب كينيث واينشتاين، محامي برينان، إلى قاضٍ في واشنطن العاصمة، موضحاً أن هذا التواصل جرى مع كورت أولسن، المعروف بإنكاره نتائج انتخابات 2020، وثلاثة مدعين آخرين كانوا يعملون مع ديجينوفا في التحقيق.
توسيع التحقيقات
وفي يوم استقالة ديجينوفا، تلقى برينان مذكرة استدعاء تطالبه بالإدلاء بشهادته أمام هيئة محلفين كبرى في فورت بيرس في منتصف أكتوبر المقبل، وفق ما قال محامو برينان في مذكرة قضائية الاثنين.
وأضافوا أن ديجينوفا وقّع مذكرة الاستدعاء، فيما أبلغ أولسن فريق برينان بأنه لا يزال يُعتبر مستهدفاً في التحقيق الأضيق نطاقاً المتعلق بالإدلاء ببيانات كاذبة، وفق المذكرة القضائية.
وإلى جانب برينان، تواصل فريق ديجينوفا مؤخراً مع موظفين حكوميين سابقين شغلوا مناصب تراوحت بين المستويات المتوسطة والعليا، وكان لديهم اطلاع على دور FBI في التحقيق بشأن صلات ترمب بالتدخل الروسي في انتخابات 2016.
ووفقاً لمصادر الشبكة، كان هؤلاء الموظفون في ذلك الوقت على اتصال بكبار المسؤولين المعنيين بالتحقيق، من بينهم مدير FBI آنذاك جيمس كومي، وهو أيضاً خصم لترمب وقد يكون مستهدفاً في تحقيق ديجينوفا.
وصدرت الأسبوع الماضي مذكرة استدعاء من هيئة محلفين كبرى تطلب شهادة ليزا بيج، وهي محامية سابقة في مكتب التحقيقات الفيدرالي وخصم قديم لترمب، كما وُجه استدعاء آخر للمحامي دان ريتشمان للإدلاء بشهادته أمام الهيئة، إذ كان على تواصل وثيق مع كومي خلال عامي 2016 و2017، عندما كان التحقيق بشأن روسيا نشطاً.
وأفادت أربعة مصادر مطلعة بأن مشرفاً سابقاً على تحقيق FBI بشأن روسيا خضع مؤخراً لاستجواب استمر عدة ساعات في يوم واحد مع محققي ديجينوفا، بعد أن منحه المدعون حصانة.
كما أجرى فريق ديجينوفا مؤخراً مقابلات مع شهود آخرين عملوا في مستويات أدنى داخل وكالة الاستخبارات المركزية ومجتمع الاستخبارات، وذلك في إطار التحقيق الذي يجريه، وتركّزت تلك الاستجوابات إلى حد كبير على تقييم مجتمع الاستخبارات لانتخابات 2016، وعلى قيادة برينان، بحسب مصادر الشبكة.
"المؤامرة الكبرى"
وذكرت المصادر أن طبيعة الشهود الذين جرى التواصل معهم، والأسئلة التي وُجهت إلى بعضهم، تسلط الضوء على مدى اتساع نهج ديجينوفا في التحقيق فيما وصفه بـ"المؤامرة الكبرى".
وقالت المصادر إن بعض المحققين بحثوا أيضاً في معلومات استخباراتية تتعلق بحملة المرشحة الرئاسية السابقة هيلاري كلينتون عام 2016، والتصور العام للعلاقة بين ترمب وروسيا، وهما موضوعان أثارا غضب الرئيس الأميركي لسنوات.
غير أن شاهداً واحداً على الأقل تلقى، خلال الأسابيع الأخيرة، اتصالاً من مكتب المدعي العام الأميركي للمنطقة الجنوبية من فلوريدا بسبب عمله في عملية تفتيش منزل ترمب في مارالاجو عام 2023.
وبدا أن التحقيق وسّع الإطار الزمني لما كان فريق ديجينوفا يستقصي عنه خلال الشهر الماضي، ليقترب بأسئلته من أحداث أكثر حداثة.
ومن بين الانتقادات المتكررة، بحسب CNN، والتي يُرجح أن تكون أيضاً موضع طعن قانوني في تحقيق ديجينوفا، أن التحقيق يمتد إلى أحداث وقعت قبل 10 سنوات، وهي فترة زمنية تتجاوز النطاق المسموح به لتوجيه الاتهامات، فضلاً عن ضعف الصلة بين تلك الأحداث ومنطقة جنوب فلوريدا، حيث انعقدت هيئة المحلفين الكبرى.
وقالت المصادر إن بعض الاستجوابات ركّزت بشكل وثيق على تحقيقات سابقة، وأعادت تناول تحقيق مكتب التحقيقات الفيدرالي بشأن روسيا عام 2016، المعروف باسم "كروس فاير هاريكان" Crossfire Hurricane.
وكانت قد أُجريت قبل سنوات تحقيقات مطوّلة بشأن نهج الحكومة في هذا الملف، من جانب المدعي الخاص جون دورهام، والمفتش العام بوزارة العدل، ومحققين في الكونجرس.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.