ESPN DeportesGilberto Mora adelanta a Tijuana desde el manchónInquirerBaguio schools grapple with bullying incidentsוואלהנפאל ביקשה סיוע מהודו ומסין בעקבות השיטפונותPunchBoxing is my life – Small DoctorESPNAdam Schefter's fantasy cheat sheet: The players our NFL insider is most excited about this seasonThe Jerusalem PostEgypt unearths three previously unknown tombs from different eras at Bahariya Oasis cemeterySözcüSüresiz nafakada yeni dönem: Kararı hâkim verecekVarietyKartik Aaryan’s ‘Captain India’ Sets September London Shoot (EXCLUSIVE)NTVSon dakika deprem mi oldu? Az önce deprem nerede oldu? İstanbul, Ankara, İzmir ve il il AFAD son depremler 29 Ağustos 2026RTL BoulevardVanochtend buien, vanmiddag regen en vanavond stormachtig aan zeeWirtualna PolskaRosja się wykrwawia. Traci więcej żołnierzy niż rekrutujeCumhuriyetMeteoroloji açıkladı: 29 Ağustos 2026 hava durumu raporu... Bugün hava nasıl olacak?
The Daily Newsstand · Free, Always
Saturday, August 29, 2026

السودان: حين يصبح شعار "الحفاظ على مؤسسات الدولة" غطاءً لاختطافها

Translate


تسرّبت إلى أدبيات الجدل الدائر حول الحرب في السودان مؤخراً عبارة صارت تدبّج بها البيانات، وتحتلّ موقعاً متقدّماً في تبرير المواقف، وهي شعار "الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية". ومَن ذا الذي يجادل في وجوب صون المؤسسات الوطنية، في إقليم رأى بأم عينه كيف تتحطم الدول، وكيف يتحول انهيارها إلى كارثة تمتدّ لعقود طويلة؟ لكن الشعارات في السياسة لا تُقرأ بظاهر لفظها، بل بالوظيفة التي تؤدّيها. وقراءة هذه العبارة في السياق السوداني تكشف أنها تقود إلى نتيجة معاكسة تماماً لمعناها الظاهري.

المفهوم نفسه وليد تجربة إقليمية مريرة يعرفها القارئ العربي جيداً، معرفة المكتوي بنارها؛ فعلى مدى عقود، تعرّضت مؤسّسات دول المنطقة لهزات عنيفة بفعل المشروع التوسّعي لقوى ذات سياسات هدامة، في مقدّمها إيران، التي نشرت عبر أذرعها ميليشيات هددت استقرار الدول ومؤسساتها تهديداً فعلياً. من بيروت إلى بغداد إلى صنعاء، خبرت المنطقة نموذج "الكيان الموازي" الذي ينمو داخل الدولة بصورة مستقلّة عنها حتى يبتلعها.

عليه، فإن القلق على مؤسسات الدولة الوطنية قلق مشروع وواجب. لكن إسقاط هذا النموذج على السودان من دون تدبّر هو إسقاط مضلِّل. فالسودان، وإن كان جزءاً من النطاق الجغرافي الذي تسعى إيران لبسط نفوذها فيه عبر حلفائها، إلا أنه يمثل حالة مغايرة، إذ إننا لا نواجه كيانات متطرفة تحاصر الدولة من خارجها، بل نواجه الأخطر من ذلك وهو اختطاف الدولة نفسها بوساطة هذه الكيانات.

السودان هو البلد الوحيد الذي حكمه الإخوان المسلمون لثلاثين عاماً متصلة، منذ انقلابهم على الديموقراطية عام 1989 إلى أن أطاحت بهم ثورة ديسمبر المجيدة. وخلال تلك العقود الثلاثة نفذوا مشروعاً سموه بأنفسهم "التمكين"، حيث لم يكونوا معنيين ببناء الدولة، بل بنوا تنظيماً يرتدي ثياب الدولة. وفي خلال هذه العقود، زرع الإخوان شبكاتهم في الجيش والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية والقضاء والمصارف، وحوّلوها لفروع لتنظيمهم تأتمر بأمر قادته، وتضع مصالحه فوق كلّ شيء، حتى صرّح الرئيس المخلوع البشير بذلك علانية حين قال "إن هذه دولة الحركة الإسلامية". ولم تكن علاقتهم بطهران علاقة تبادلية طارئة، فقد شهدت عقود حكمهم ترسيخاً لهذه العلاقة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وإيديولوجياً، ووفّر إخوان السودان لحلفائهم ملالي إيران منفذاً على البحر الأحمر وموطئ قدم في القارة الأفريقية، استخدمه الحرس الثوري لنشر مشروعه المزعزع للاستقرار. واليوم، تعود طهران إلى المشهد السوداني من بوابة البرهان، الذي أعاد العلاقات الديبلوماسية معها، ووطّد الصلات، مستقبلاً مسيّراتهم، ومستخدماً شبكاتهم في المنطقة، لخدمة ذات المشروع السلطوي القديم.

أسقطت الثورةُ رأس النظام عام 2019. لكن شبكات التمكين العميقة ظلّت كامنة في مفاصل الدولة، فنفّذت انقلاب العام 2021 برفقة قائدي القوتين المتقاتلتين حالياً، ثم أشعلت حرب أبريل 2023 لتفتح لهم طريق استمرار التشبث بمفاصل الدولة التي يتحكمون بها بالفعل الآن، ليعيدوا نشر كوادرهم في أجهزتها، وليصادروا القرار الوطني لحساب مشروعهم القديم في نسخته الحربية، وليقايضوا دماء السودانيين ببقائهم في السلطة.

وهذا هو جوهر المسألة، فحين تُرفع اليوم راية "دعم مؤسسات الدولة" في السودان، فإن ما يجري عملياً تحت هذا الغطاء، هو شرعنة اختطاف هذه المؤسسات بوساطة الإخوان، ومنح الخاطف غير الشرعي صكّ قبول إقليمي ودولي غير مستحق. فالشعار الذي يعني في بعض البلدان مقاومةَ الشبكات المسلّحة الإرهابية خارج الدولة، يستخدم في السودان لتكريس اختطاف الدولة بوساطة هذه الشبكات. اللفظ واحد، والنتيجة هي النقيض. وليس أدلّ على خطورة هذا الالتباس من أن بعض العواصم باتت تتعامل مع هذا الشعار بوصفه وصفة للاستقرار، وهو في الحالة السودانية وصفة لإعادة إنتاج الأزمة التي فجّرت الحروب إبتداءً؛ فالبرهان ليس قائد مؤسسة وطنية يعمل على حصر احتكار السلاح داخل مؤسسات الدولة، بل هو جزء من مشروع تنظيم إرهابي، يقود حلف جماعات مسلحة تختطف الدولة، وتتناسل وتتكاثر يومياً، بما يقود عملياً لتحلل الدولة لا الحفاظ على مؤسساتها.

إن المدخل الصحيح للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية يبدأ من وقف هذه الحرب الإجرامية أولاً، وتفكيك شبكات التمكين الإخوانية التي تتغلغل في داخلها، عبر مشروع سلام شامل يربط الانتقال المدني الديموقراطي بالإصلاح المؤسسي ربطاً عضوياً لا يقبل الانفصام، بما يقود لجيش وطني واحد مهني وقومي، خارج حلبة الصراع السياسي، وخاضع للسلطة المدنية؛ وبناء خدمة مدنية تقوم على الكفاءة لا الولاء، وقضاء مستقل، ومؤسسات تكون ملكاً لكل أهل السودان، لا غنيمة لفصيل أو جهة. هذا هو جوهر المشروع الذي أراده السودانيون وقطعت الحرب الطريق نحو بلوغه.

إن المنطقة بأسرها قد أنهكتها هذه التجارب المريرة، لذا فإن من يخشى على الدول من الانهيار، عليه أن يخشى عليها بالقدر نفسه من الاختطاف؛ فالدولة المختطفة هي مشروع انهيار مؤجل. وعليه، فإن الحفاظ على الدولة السودانية يبدأ بتحريرها من خاطفيها لا بتمكينهم منها، ووقف الحرب هو أول خطوات هذا الطريق.

*وزير سابق لشؤون مجلس الوزراء في الحكومة السودانية المدنية الانتقالية

View the original on النهار

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.