مجلس الشيوخ يعطّل قانون تنظيم الكريبتو... لماذا فشل مشروع "كلاريتي"؟
تلقى قطاع العملات المشفرة في الولايات المتحدة ضربة تشريعية، بعدما أخفق مجلس الشيوخ، في 15 أيلول/سبتمبر 2026، في تمرير إجراء يسمح بمواصلة مناقشة مشروع "قانون وضوح سوق الأصول الرقمية"، المعروف باسم "كلاريتي" (CLARITY Act).
لا يبدأ التنظيم الأميركي للعملات المشفرة من الصفر. في تموز/يوليو 2025، وقّع الرئيس دونالد ترامب قانون "جينيوس" (GENIUS Act)، الذي أنشأ أول إطار اتحادي للعملات المستقرة المستخدمة في المدفوعات، وفرض على الجهات المصدرة الاحتفاظ باحتياطيات كاملة من أصول سائلة، مثل الدولار وسندات الخزانة القريبة الأجل، إلى جانب قواعد للترخيص والإفصاح واسترداد العملات.
لكن "جينيوس" يعالج شريحة محددة من السوق، فيما يسعى مشروع "كلاريتي" إلى تنظيم المشهد الأوسع: تصنيف الأصول الرقمية، وتحديد ما يخضع لهيئة الأوراق المالية والبورصات وما يقع تحت إشراف لجنة تداول السلع الآجلة، ووضع قواعد للمنصات والوسطاء ومصدري الرموز. لذلك، يُنظَر إلى "كلاريتي" بوصفه الحلقة الثانية والأكثر تعقيداً في بناء الإطار الأميركي للكريبتو، لا بديلاً من قانون "جينيوس".
ولم يكن التصويت على إقرار القانون نفسه، بل على إنهاء النقاش والانتقال إلى المداولات. احتاج الإجراء إلى 60 صوتاً، لكنه حصل على 49 في مقابل 50 معارضاً. وانضم ثلاثة جمهوريين إلى المعارضين، فيما غيّر السناتور الجمهوري توم تيليس صوته في النهاية إلى "لا" لأسباب إجرائية، بما يتيح له طلب إعادة التصويت لاحقاً. لذلك لم يمت المشروع قانونياً، لكنه بات شبه مجمّد سياسياً، مع ضيق الوقت التشريعي المتبقي قبل انتخابات منتصف الولاية الرئاسية.
من ينظم الكريبتو؟
كان القانون سيعالج إحدى أعقد مشاكل السوق الأميركية: تحديد الجهة المسؤولة عن تنظيم كل فئة من الأصول الرقمية. منذ سنوات، تتنازع هيئة الأوراق المالية والبورصات وهيئة تداول السلع الآجلة الاختصاص، فيما تواجه الشركات قواعد غير محسومة وأحكاماً قضائية متباينة.
ويقترح "كلاريتي" منح هيئة تداول السلع الآجلة دوراً أوسع في الإشراف على الأصول المصنفة "سلعاً رقمية"، مع إبقاء الرموز التي تُعامل كأوراق مالية تحت سلطة هيئة الأوراق المالية. كذلك يضع مسارات لتسجيل منصات التداول، وقواعد للإفصاح وحفظ أموال العملاء، ومعايير تحدد متى يمكن تغيير التصنيف القانوني لأصل رقمي بعد بلوغ شبكته درجة كافية من اللامركزية.
وكان مجلس النواب قد أقر نسخته من القانون، لكن مجلس الشيوخ أدخل عليها تغييرات إضافية. وحتى لو أقرّ الشيوخ مشروعه، كان يتعين توحيد النسختين والتصويت على نص مطابق قبل إرساله إلى الرئيس. بالنسبة إلى شركات مثل "كوين بيس"، كان القانون سيمنحها قواعد أكثر استقراراً ويخفف اعتمادها على التفاوض مع الجهات التنظيمية أو انتظار المحاكم. أما منتقدوه، فيخشون أن ينقل قسماً واسعاً من السوق إلى إشراف أقل تشدداً.
ترامب في قلب الخلاف
لم يتوقف الخلاف عند التفاصيل التنظيمية. فقد طالب ديموقراطيون بضمانات تمنع الرئيس وكبار المسؤولين وعائلاتهم من تحقيق مكاسب من مشاريع الكريبتو خلال وجودهم في السلطة، في ظل ارتباط ترامب وعائلته بشركة "وورلد ليبرتي فايننشال" وعملات رقمية.
وحاول الجمهوريون استقطاب الأصوات المترددة عبر إدخال 126 تغييراً على الصياغة استجابة إلى مطالب ديموقراطية ومصرفية. وشملت التغييرات تشديد بعض قواعد الأخلاقيات ومنح المدعين العامين في الولايات صلاحيات إضافية. لكن معارضي النص رأوا أنها لا تفرض فصلاً كافياً بين المنصب العام والمصالح المالية الخاصة.
وهكذا تحوّل التصويت من نقاش تقني حول تنظيم سوق تُقدَّر قيمتها بنحو 2.3 تريليون دولار إلى اختبار سياسي للثقة وتضارب المصالح.
المصارف تدخل المعركة
جاء الاعتراض أيضاً من المصارف، ولاسيما المحلية والصغيرة، بسبب المكافآت التي قد تمنحها منصات الكريبتو على العملات المستقرة. تحظر القواعد الأميركية على الجهات المصدرة دفع الفائدة مباشرة لحائزي العملات المستقرة، لكن المصارف تخشى أن تتمكن المنصات والوسطاء من تقديم مكافآت مرتبطة بالاحتفاظ بها أو استخدامها. وقد يحول ذلك العملات المستقرة عملياً إلى منافس للودائع، ويشجع انتقال الأموال من الحسابات المصرفية، بما يقلص الموارد المتاحة للإقراض.
في المقابل، ترى شركات الأصول الرقمية أن المصارف تحاول حماية نموذج أعمالها من المنافسة. وبذلك كشف القانون عن معركة أوسع على مستقبل الادخار والمدفوعات: هل تبقى أموال الأفراد داخل المصارف، أم تنتقل تدريجياً إلى محافظ ومنصات رقمية؟
التنظيم ينتقل إلى الهيئات
ضغط فشل التصويت على "بيتكوين" وأسهم شركات مثل "كوين بيس" و"سيركل"، لكن أثره اختلط برفع معدل الفائدة الأميركية وازدياد عوائد السندات، لذلك لا يمكن نسب حركة السوق إلى القانون وحده.
والنتيجة الأهم أن مهمة التنظيم ستعود، في الوقت الراهن، إلى هيئة الأوراق المالية وهيئة تداول السلع الآجلة. وقد منحت الأولى إعفاءً مشروطاً مدته خمس سنوات لتسهيل تداول الأسهم المرمّزة، ما يشير إلى أن إدارة ترامب ستواصل تنفيذ أجزاء من أجندة الأصول الرقمية عبر الهيئات التنظيمية.
غير أن قواعد الهيئات أقل ثباتاً من القانون، إذ يمكن تعديلها مع تغير الإدارة أو الطعن فيها أمام المحاكم. لذلك لا يعني تعثر "كلاريتي" توقف الكريبتو في الولايات المتحدة، بل استمرار نموه فوق أرضية قانونية قابلة للتبدل، فيما تبقى المعركة الحقيقية حول من يكتب قواعد المال الرقمي ومن يستفيد منها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.