PunchSoldiers rescue three abducted victims in KebbiThe Jerusalem PostWith two days until election: Eisenkot leads over Netanyahu, but neither can reach majority - pollInquirerLacson: Use ‘savings’ from Senate budget cuts for El Niño preparationsCNN TürkTütün ürünü kullanımına yeni düzenleme: Açık alanlarda sınırlanacak한겨레아파트서 부부싸움 중 방화 50대…긴급체포20 MinutenLindt-Präsident: «Tut weh, die Produkte im Ausverkauf zu sehen»ZDF heuteEntdecken Sie das ZDF-Nachrichtenstudioالنهارالجيش الإيراني يسقط مسيّرة أميركية في بندر عباس... عراقجي: الهجوم مجدّداً علينا لن يُحقّق نتائج مختلفةCapital FMRuto Praises Kalonzo for Recognising Govt Development Record in Ukambani경향신문트럼프 행정부, ‘알래스카 결과 확정 보류’ 소송···선거 막판 ‘부패 스캔들’ 변수될까Het Laatste Nieuws“Hij moet zijn tijd nemen”: ook collega-trainers leven mee met Vincent KompanyMintFrom France to Italy, what protests mean for Europe’s $187 bn winter tourism industry ahead of Christmas-New Year season
The Daily Newsstand · Free, Always
Sunday, October 25, 2026

مجدي الحجّار في "نسقي بأحزاننا قصب النهر"... ما الذي يفعله العشق بالعمر؟

Translate

يحتاج القصب إلى الماء كي ينمو، لكنّ مجدي الحجّار يسقيه بالأحزان. في عنوان ديوانه الخامس، "نسقي بأحزاننا قصب النهر"، الصادر عن دار النهضة العربية، تنقلب العلاقة بين الإنسان والطبيعة: النهر الذي يفترض أن يحمل ماءه إلى النبات ينتظر شيئاً من داخلنا، كأنّ ما فاض عن احتمال القلب يستطيع أن يواصل حياةً خارجه. والحزن، منذ هذه العتبة، يدخل في دورة تحوّل، يغادر صاحبه ليغذّي ما قد يعود إليه يوماً صوتاً.

من هنا يمكن الاقتراب من قصائد الشاعر الآتي من المؤسسة العسكرية، العميد المتقاعد في الجيش اللبناني، من دون اختزال تجربته في المفارقة السهلة بين خشونة العسكر ورقّة الشعر. فالسيرة تفتح سؤالاً عن علاقة الذات بالضبط والانفلات، لكنّ القصائد وحدها تستطيع الإجابة عنه: كيف يتكلّم الإنسان حين لا يعود قادراً على ترتيب داخله؟ وأيّ لغة يحتاجها القلب حين يعجز عن إخضاع رغباته لما يعرفه عن الحياة؟

الحزن الذي يبحث عن آلة

بين عنوان الديوان وقصيدة "النهر والناي"، يسري خيط من الماء إلى الموسيقى: قصبٌ تسقيه الأحزان، ثم يُقطع عن منبته، ويُفرَّغ قلبه ليعبر فيه النَّفَس. كأنّه لا يجد صوته إلّا بعدما يفقد جذوره، ولا يغنّي إلّا بما تركه الفقد في داخله من فراغ. ومن بعيد، يصل صدى افتتاح "المثنوي" لجلال الدين الرومي، حيث يشكو الناي فراق أصله، ويحمل أنينه شوقاً إلى الوصل. صدى يفتح للقراءة باباً، من غير أن نجزم بأنّ الشاعر تعمّد استدعاءه.

الشاعر مجدي الحجار يوقع ديوانه في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب

الشاعر مجدي الحجار يوقع ديوانه في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب

لكنّ عنوان الحجّار يتيح سؤالاً يسبق ولادة الناي: ماذا نسقي بأوجاعنا؟ ما دام الفعل يأتي بصيغة الجمع، فإنّ الحزن يتجاوز اعتراف الشاعر المنفرد. ثمّة آخرون يشاركونه هذا السقي، وذاكرة تتكوّن من خسارات متعدّدة. قد ينبت القصب من حصيلة ما عجز الجميع عن قوله.

هنا تنشأ إمكانية لقراءة الشعر بوصفه تحويلاً للألم، مع الاحتفاظ بالفارق بين التحويل والخلاص. فالقصيدة تستطيع أن تمنح الخسارة شكلاً قابلاً للمشاركة، لكنّها لا تعيد الغائب، ولا تسترجع ما استُهلك من العمر. يظلّ في الموسيقى شيء من الجرح الذي جعلها ممكنة.

الغزل أمام امتحان الزمن

يفتح عنوان "مقام الوصل" باباً على معجم تتقاسمه القصيدة الغزلية والتجربة الصوفية. فالوصل غاية العاشق، و"المقام" يمنحه معنى الإقامة والثبات، كأنّ اللقاء المهدّد بالانقضاء يريد أن يعثر على موضع يستقرّ فيه.

الشاعر مجدي الحجّار وشقيقه وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجّار.

الشاعر مجدي الحجّار وشقيقه وزير الداخلية والبلديات أحمد الحجّار.

وفي المقطع المرفق من القصيدة تتجاور مفردات الشوق والوجد والسرّ والكتمان والجهر. وهي مفردات تحمل ذاكرة طويلة من التعبير عن الحبّ، تتداخل فيها رغبة البوح والخوف من انكشافه. غير أنّ قيمتها تتحدّد بما تُحدثه في العلاقة: ماذا يتغيّر حين يُعلَن السرّ؟ وهل يخفّ حمل العاشق حين يقوله، أم يصبح أكثر تعرّضاً لما يخشاه؟

من هذه الزاوية، يمكن قراءة الغزل عند الحجّار بوصفه اختباراً لحدود التعبير. فالعاشق يريد أن يمنح إحساسه كلاماً يوازيه، فيما يظلّ الإحساس أوسع من العبارة. تتكرّر محاولة القول لأنّ القول السابق لم يبلغ الغاية، ولأنّ الوصل نفسه قد يبقى ناقصاً، حتى في حضور المحبوبة.

ويكتسب هذا النقص ثقلاً آخر حين يدخل الزمن. فعنوان "هذا العمر" يضع الإشارة على ما نملكه الآن، فيما يوحي المقطع المرفق بتناقصه. عندئذ تصبح الرغبة مشدودة إلى ما يفوت أيضاً. نحبّ وفي داخلنا معرفة بأنّ الوقت لا ينتظر اكتمالنا، وأنّ بعض ما نؤجّله يفقد إمكان تحقّقه.

صوفية السؤال

تمنح إشارات الوجد والوصل والنور والسرّ شعر مجدي الحجّار نبرةً روحيةً تتّسع فيها لغة الغزل لمناجاة أعمق. تتردّد هذه المفردات محمّلةً بذاكرتها العرفانية، وتلتقي بحرارة الشوق الإنساني، فيغدو العشق معرفةً تنضج في القلب، ويصبح حضور المحبوب نافذةً تنفتح منها الذات على أسرارها وعلى رحابة العالم.

في هذا الأفق، تتجلّى رهافة التجربة: الحبّ يغيّر العين التي ترى، ويوقظ في الأشياء ضوءاً كان خافياً. وكلّ اقتراب من المحبوب يكشف مسافةً أخرى تستدعي الشوق، كأنّ الوصل وعدٌ يتجدّد كلّما ظنّ القلب أنّه بلغه. ومن هذه الحركة بين اللقاء والتوق، تستمدّ القصيدة نبضها الداخلي، وتكتسب الحيرة جمالها بوصفها يقظةً دائمة أمام ما يستعصي على الإحاطة.

وتظلّ المرأة في قلب هذا الإشراق، بحضورها الحسيّ وملامحها الحميمة، بما توقظه من رغبة وحنين، وما تفتحه من أسئلة. يمنحها الغزل كثافة الحضور، فيما تمنح هي اللغة قدرتها على التجدّد، يتّسع أثرها من تفاصيل اللقاء إلى تأمّل العمر، ومن رجفة القرب إلى الإصغاء لما يتركه الغياب في الروح.

هكذا تتجاور في شعر الحجّار عذوبة الغزل وأصداء المناجاة، ويأخذ العشق مداه بين جسدٍ يشتاق وقلبٍ يتأمّل. وفي المسافة بينهما تتنفّس القصيدة، حاملةً حرارة التجربة ورهافة الإصغاء إلى سرّها.

للمحبّة وجوه… وللغياب صوته

يتّسع المجال الوجداني في المختارات مع قصيدة "يا ابنتي لو تعلمين!"، فتدخل المحبّة امتحاناً مختلفاً. خطاب الابنة يحمل معرفة لا يسهل نقلها: ما الذي يستطيع الأب أن يقوله عمّا يخشاه عليها، وما الذي ينبغي أن يتركه لها كي تختبره بنفسها؟

في النداء رغبة في إيصال ما لم يُقَل، وربّما في تدارك المسافة بين عمق المحبّة وقدرتنا على إظهارها. ومن خلال هذه المسافة يستطيع شعر الأبوة أن يبلغ أثره: أن يتركنا نشعر بأنّ أقرب الناس إلينا قد لا يعرفون تماماً كيف نحبّهم.

وتأتي قصيدة "مات غالب"، المهداة إلى قريب رحل بوباء كورونا، لتضع الصوت أمام غياب نهائي. ففي مقاطعها القابلة للتبيّن يعود صوت المفقود وضحكته إلى ذاكرة الجماعة. الرثاء هنا يجد مادّته في ما بقي من عادات اللقاء، في التفاصيل التي تواصل الحضور بعدما يغيب صاحبها. هكذا يختبر الحبّ أقسى وجوهه: أن يستمرّ موجّهاً إلى من لن يجيب.

الصورة بين الموروث والمغامرة

تتحرّك المختارات بين القصب والنهر والطير والفرس والكأس، مستعيدةً مخزوناً مألوفاً من الصورة الشعرية. وهذه الألفة تضع الكتابة أمام امتحانها: كيف تُحمَّل الصورة الموروثة تجربةً تخصّ صاحبها؟ متى يصبح النهر هذا النهر، والحزن وجعاً لا يمكن استبدال صاحبه؟

يقدّم العنوان وعداً واضحاً في هذا الاتجاه. فإسناد السقي إلى الأحزان يغيّر وظيفة الحزن، ويعيد توزيع الحاجة بين الإنسان والطبيعة. ومن هذا التحويل يمكن طلب المزيد داخل القصائد: أن تفاجئنا العلاقات بين الأشياء، وأن يخرج المجاز من ضرورة التجربة.

في "نسقي بأحزاننا قصب النهر" تلوح ذات تحاول أن تفهم ما بقي لها عبر ما أحبّته وما فقدته. وبين الوصل والرثاء، يتّخذ العشق هيئة إصغاء طويل إلى العمر. وربّما لهذا يصلح القصب عتبةً لهذا العالم: ينمو صامتاً، ثم يحمل، إذا صار ناياً، أنفاس إنسان آخر. كأنّ ما لم نستطع احتماله وحدنا يجد في القصيدة صدراً يتّسع له.

View the original on النهار →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.