في طرابزون... وجدتُ صديقاً في كوب شاي
في مرتفعات حيدر نبي، إحدى الوجهات الطبيعية الشهيرة في طرابزون شمال تركيا، كان الضباب يغطّي كل شيء. اختفت الجبال خلف ستار أبيض كثيف، وتلاشت معالم الطبيعة التي جئت لاكتشافها. لم يكن بالإمكان رؤية الكثير، لكنّ شيئاً واحداً كان حاضراً. كوب شاي.
لم أسافر إلى طرابزون بحثاً عنه، لكنّه بدا كأنّه صديق قرّر مرافقتي طوال الرحلة. من قمم الجبال إلى المطاعم والمقاهي والمتاجر، كان يظهر أينما ذهبت، في كأس زجاجية صغيرة بلون أحمر داكن.
وسط الطبيعة التي يصعب نسيان جمالها، أثار هذا التفصيل فضولي: لماذا يحتلّ الشاي كل هذه المكانة في حياة الأتراك؟

كوب صغير... وحكاية ضيافة كبيرة
حملتُ السؤال إلى محمد غسان الدبيس، المسؤول عن قسم المتابعة والإرشاد في إحدى الشركات السياحية في الشمال التركي، الذي أوضح أنّ تركيا تُعدّ من الدول الأعلى استهلاكاً للشاي عالمياً، وأنّ ارتباط الأتراك به يعود جزئياً إلى إنتاجه محلياً واعتزازهم بمنتجات بلادهم.
ورغم الشهرة العالمية للقهوة التركية، فإنّ الشاي حاضر في مختلف الأوقات والمناسبات. وبحسب الدبيس، فإنّ تقديمه يعكس الكرم والأخوّة والترابط الاجتماعي، حتى إنّ الزائر قد يُدعى إلى شربه داخل متجر، من دون أن يشتري شيئاً.
والمفارقة أنّ رفض الكوب لا يُعدّ إهانة. فالأهم، كما يشرح الدبيس، أن يكون الاعتذار مهذّباً.
حتى الكأس تحمل حكاية. فهي صغيرة وشفّافة، ضيّقة عند الوسط، تشبه زهرة التوليب التي تحتلّ مكانة خاصة في الثقافة التركية. ويربط الدبيس تصميمها بمحبة الأتراك القديمة لهذه الزهرة.
أما تحضير الشاي، فيعتمد على إبريقين متراكبين، يُعرفان باسم "تشايدانليك" (Çaydanlık). يُغلى الماء في الأسفل، وتُنقع أوراق الشاي في الإبريق العلوي، ثم يُخفّف الشاي المركّز بالماء الساخن بحسب رغبة كل شخص، ويُقدَّم السكر منفصلاً.
كوب ساخن في يوم حار... العلم يشرح المفارقة
الشاي الساخن قد يُساعد على تبريد الجسم في الطقس الحار، لكن فعاليّته تعتمد على التعرّق ودرجة الرطوبة.
من قطف الأوراق إلى رقصة الترحيب
لكنّ علاقتي بالشاي خلال الرحلة لم تتوقّف عند تذوّقه.
ففي طرابزون، زرنا أحد مصانع الشاي، حيث اصطحبنا العاملون في جولة تعرّفنا خلالها إلى المراحل التي تمرّ بها الأوراق، من قطفها إلى تصنيعها وإعدادها للاستهلاك.
ولم يقتصر الاستقبال على الشرح. فقد استُقبلنا أيضاً برقصة شعبية، في مشهد أضاف إلى الزيارة طابعاً احتفالياً، وكأنّ هذا المحصول ليس مجرد صناعة، بل جزء من هوية المكان.
قد تزور بلداً من أجل طبيعته، وتغادره وأنت تحمل في ذاكرتك شيئاً من روح أهله.
وعلى امتداد الساحل الشرقي للبحر الأسود، تُعدّ ريزا وطرابزون من أبرز مناطق إنتاج الشاي في تركيا. فالأمطار الغزيرة والرطوبة المرتفعة والمنحدرات الخضراء توفّر ظروفاً ملائمة لزراعته.
ويوضح الدبيس أنّ هذا المحصول يُشكّل مصدر رزق مهماً لكثير من سكان المنطقة، وتُقطف أوراقه عادةً ثلاث مرات خلال موسم الإنتاج، وفقاً للظروف المناخية.
ورغم تشابه عادات شرب الشاي في مختلف أنحاء تركيا، يشير إلى أنّ لسكان الشمال علاقة خاصة به، فهو ليس مجرد مشروب يومي، بل محصول ينمو في أرضهم ويرتبط بحياة كثير من عائلاتهم.
هنا، بدأت أفهم لماذا يبدو الشاي حاضراً في كل مكان. ففي هذا الجزء من تركيا، تجتمع في الكوب حكاية الأرض والعمل والضيافة.

مبنى كأس الشاي الشهير في ريزا (Rize) شمال تركيا
حين يصبح الشاي لغةً للترحيب
عدتُ من طرابزون بذكريات الجبال والطرق الخضراء والضباب الذي منح الرحلة سحرها، وبمشاهد من مصنع كشف لي حكاية الشاي من الحقل إلى الكأس.
وخلال رحلتي، قال لي أحد الأتراك عبارة بقيت عالقة في ذهني: "الحديث من دون كوب شاي يشبه سماء الليل من دون قمر".
ربما لم أفهم عمق هذا القول في حينه، لكن بعد أيام أمضيتها في الشمال التركي، أدركتُ أنّ الشاي ليس مجرد مشروب يُقدَّم للضيف، بل جزء من لغة الترحيب التي يتقنها أهل المكان.
قد تزور بلداً من أجل طبيعته، وتغادره وأنت تحمل في ذاكرتك شيئاً من روح أهله.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.