هل ينجو البلد؟
"لم تعد التنمية تُقاس فقط بحجم التمويل أو باتساع الحيّز المالي، بل بقدرة الدول على تحديد أولوياتها، والاستجابة للتحديات، واغتنام الفرص".Bardouille(Project Syndicate, 2026)
لبنانيا، نعيش الطارئ «إطفاء الحرائق» بشكل دائم. فبعد الانهيار المالي، وجائحة كوفيد-19، أتتنا الحروب، وتداعيات هرمز وباب المندب، وارتفاع تكاليف النقل وأسعار الطاقة، وتراجع التحويلات. وننتظر تداعيات الانتخابات الإسرائيلية وانعكاسات الانتخابات الامريكية والتقارب السعودي الايراني وازمات الاقتصاد العالمي...
اقتصادنا مثقل، ليس فقط بتداعيات العوامل الخارجية بل بافتقار دولتنا لأدوات الفعل. ببساطة نحن نستسلم داخليا لمفاعيل العوامل الخارجية.
لكن في البلد أصول، لا تقاس بالأدوات الكلاسيكية وحدها. فقد راكمنا خبرات بفعل تعاقب الأزمات منذ نشأة الجمهورية. تعلّمنا بالممارسة، وبالألم والنهوض بعد التعثّر، وبالتفاوض الصعب وإدارة الأزمات والأخطاء (Arrow, 1962).
تعلّمنا، كعائلات، إدارة ماليتنا بالكثير والقليل وبأكثر من عملة، أتقنا التعامل مع القيود المصرفية، وتنويع مصادر دخلنا. وتوزّعنا بين الداخل والاغتراب، ولجأنا إلى توليد الكهرباء وتحلية المياه، وجعلنا من بيوتنا دولًا. طوّرنا قدراتنا، بحثا عن فرص جديدة.
اعتمدت شركاتنا استراتيجيات تتبدّل تبعًا للأزمات، كي لا تزول. فانتقل بعضها بين القطاعات، وغيّر وجهاته، ووسّع أنشطته أو قلّصها، وابتكر سلعًا وخدمات وألغى أخرى. اتقن التسعير بعملات عدّة والتعاقد في بيئة عاصفة، وأعاد تنظيم سلاسل التوريد.
هكذا، امتلكت بعض الشركات «القدرات الديناميكية» التي مكّنتها من إعادة تشكيل مواردها وسط الاضطراب (Teece et al., 1997).
ببساطة، من استمر يتقن الاستثمار في الأزمات. ومن امتلك الموارد نما، ومن افتقر إليها زال.
ويبقى التحدي تحويل الخبرات الفردية المتراكمة إلى ذاكرة وأصول مؤسسية، فلا تزول بزوال الأفراد والشركات (Bardouille, 2026).
الا انّ هذا التحوّل يفترض وجود سلطة تحدد الأولويات، تستجيب للتحديات، وتغتنم الفرص. سلطة تملك «القدرة على الفعل» وردع ما يتعارض، فتُرسي نظامًا يعزّز الثقة ويحفّز التنمية. عندها، يصبح التمويل وسيلةً لإنجاز المشاريع الأكثر كفاءة في القطاعات الأكثر إنتاجية وليس لتقوية المديونية وتكريس الإفلاس، كما حصل سابقًا.
المقياس الحقيقي لنجاح لبنان في عالمنا المتغيّر لن يكون في حجم التمويل وحده، بل بوجود سلطة فاعلة، وليس مفعولا بها. ليستمر البلد علينا التأثير وليس فقط التأثر، وهذا ممكن شريطة توفر قواعد تنتج فعلا ونموا، وهذا يفترض فهما وتبدلا في المزاج. حان الوقت كي ندرك كيفية المقاومة بلغة العصر وليس بوسائل تخطاها الواقع. قيامنا ممكن حتى في وسط التداعي العالمي، فلدينا من الانتشار والقدرات ما يضمن تأثيرنا ان احسنّا الاستثمار!
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.