تقرير ديوان المحاسبة يدين تقاعس الدولة اللبنانية: الإنترنت غير الشرعي يستنزف 128 مليون دولار سنويّاً
أن تفرغ الدولة اللبنانية مرفقها العام من مقوماته وأصوله وشبكته وقاعدة مشتركيه لمصلحة شركات خاصة، فذلك أحد أخطر أوجه سوء الإدارة التي يكشفها تقرير ديوان المحاسبة في قطاع الاتصالات. ويوثق التقرير نموذجا من "منافسة الدولة لنفسها: Cannibalization Self. إذ تتحول آليات يفترض أن تعزز موقعها في السوق إلى وسيلة لإضعافه، بما يبدد إيراداتها ويقوض قدرتها على استعادة السيطرة على القطاع. وخطورة هذا المسار لا تقتصرعلى الخسائر المالية، بل تمتد إلى إضعاف المرفق العام وتجريده من مقوماته التنافسية، في وقت تتوسع فيه الشبكات غير الشرعية على حساب الدولة وحقوقها.
فوزارة الاتصالات تبيع خدمات الجملة والسعات الدولية عبر خطوط تأجيرية محلية لشركات تزويد محددة، عوضا عن تقديم خدمات التجزئة مباشرة للمواطنين، بما يتيح لهذه الشركات الاستفادة من البنية التحتية الرسمية لتوسيع أعمالها وتعزيز قدرتها التنافسية على حساب الدولة نفسها. ولا تقتصر خطورة هذا النموذج على خسارة الإيرادات العامة، بل تمتد إلى إضعاف حصة القطاع الشرعي وتوفير غطاء تقني لشبكات غير مرخصة، في مفارقة فاقعة تطرح تساؤلات عن سياسات إدارة القطاع ومدى مساهمتها في نقل السوق من كنف الدولة إلى مصالح خاصة.

والدولة، وفق ما يكشفه التقرير الخاص لديوان المحاسبة رقم 2026/5، تخسر إيراداتها وتضعف موقعها في قطاع الاتصالات بفعل تقاعس أجهزتها عن تطبيق القوانين، فيما تستخدم بنيتها التحتية الرسمية لتعزيز شبكات تنافسها خارج الأطر القانونية. ويقدر الهدر بنحو 128 مليون دولار سنويا، فيما يتجاوز عدد المشتركين خارج المنظومة الشرعية مليون مشترك، وتتراجع الحصة السوقية للدولة من نحو 50% إلى أقل من 25%. وتختصر هذه الأرقام حجم الخلل، وتطرح أسئلة مباشرة عن مسؤولية الإدارات والوزراء المتعاقبين منذ عام 2018، وعن دور الجهات التنظيمية والتنفيذية في السماح باستمرار هذا الواقع.
مسؤوليات إدارية وتقاعس عن تطبيق القانون
يتجاوز التقرير التوصيف العام للمخالفات إلى تحديد المسؤوليات، مسجلا تقاعسا إداريا ممتدا، ولا سيما منذ عام 2018، أسهم في إضعاف موقع الدولة لمصلحة شبكات الإنترنت غير الشرعية، التي استقطبت، وفق التقرير، 90% من السوق الثابت. ويحدد التقرير مسؤولية وزراء الاتصالات المتعاقبين منذ صدور المرسوم رقم 3260 المنظم لحق المرور والربط، إلى جانب الهياكل التشغيلية الأساسية، ممثلة بالمديرية العامة للإنشاء والتجهيز، والمديرية العامة للاستثمار والصيانة، والمديريات الفنية والعملياتية في هيئة "أوجيرو" ، وصولا إلى الهيئة المنظمة للاتصالات.
ويخلص التقرير إلى أن تفاقم ظاهرة الإنترنت غير الشرعي لم ينتج من نقص في القوانين، بل من "التقاعس والتقصير المتعمد" في تطبيق الأحكام النافذة، ولا سيما المادة 16 من المرسوم رقم 9458/2022، التي توجب ضبط الشبكات المخالفة فورا ووضعها في تصرف الوزارة. وقد سمح هذا التراخي التنفيذي بإنشاء كتلة سوقية تضم 1,073,324 مشتركا غير شرعي، يتحكم بها مشغلو السوق السوداء ماليا وفنيا، بعيدا عن رقابة الدولة.

انحرافات القرار الصادر عن الهيئة المنظمة للاتصالات
يفكك التقرير التداخل التنظيمي بين أجهزة الدولة، محددا صلاحيات الهيئة المنظمة للاتصالات في إدارة تراخيص القطاع الخاص النظامي، ومؤكدا انتفاء أي صلاحية قانونية لها لمعالجة الشبكات المنشأة خلافا للقانون أو تنظيم المشتركين المرتبطين بها، إذ تقع هذه المسؤولية حصرا ضمن النطاق التنفيذي لوزارة الاتصالات وهيئة "أوجيرو". علما أن الهيئة المنظمة للاتصالات تخضع قانونا لرقابة ديوان المحاسبة المؤخرة، بموجب المادة الرابعة من قانون الاتصالات رقم 431/2002.
وانطلاقا من ذلك، وجه الديوان انتقادا حادا إلى القرار رقم 4/2026 الصادر عن الهيئة المنظمة، ورصد فيه مخالفات قانونية جوهرية، تمثلت في تجاوز الصلاحيات عبر تكليف شركات توزيع الإنترنت (ISP) بنقل مشتركين لا يتبعون لها نظاميا، وفرض رسوم مالية مبهمة من دون تحديد الخدمات المقابلة لها، بما قد يشكل ضرائب مقنعة ويكرس واقع الشبكات غير الشرعية، فضلا عن تحميل المواطن أعباء مالية إضافية. كما سجل تغييبا للأطر المرجعية، من خلال استبعاد المرسوم التنظيمي الأساسي رقم 3260/2018 وتعديلاته من الآلية المعتمدة. وبناء على هذه الملاحظات، تبرز ضرورة وقف تنفيذ القرار لتجنب المساءلة القضائية.
استنزاف إيرادات الدولة لمصلحة الشركات المتنفذة
يشرح التقرير كيف أتاح هذا النموذج لشركات متنفذة استخدام البنية التحتية الرسمية كغطاء لربط شبكات التوزيع الفرعية (Resellers) وشبكات الربط (Collectors) غير المرخصة. وقد أسهم ذلك تقنيا في تحسين أداء الشبكات المخالفة وتعزيز قدرتها التنافسية، ما سرع إزاحة ما تبقى من السوق الشرعي، ودفع الحصة السوقية للدولة إلى أقل من 25%، بعدما كانت تقارب 50%.
ويخلص التقرير إلى أن استمرار هذا النموذج يحول أموال الخزينة العامة إلى مصالح خاصة، من خلال استنزاف إيرادات الدولة والإضرار بحقوق المستهلكين، بدلا من توظيف موارد القطاع العام لتوسيع الخدمات الشرعية وتعزيز حضورها.
خطة إصلاحية بمراحل زمنية محددة
ترتكز الرؤية الإصلاحية التي يتضمنها تقرير ديوان المحاسبة رقم 2026/5 على مسار زمني وإجرائي يهدف إلى وقف الهدر، واستعادة سيطرة الدولة على قطاع الاتصالات، وإعادة تنظيم العلاقة مع القطاع الخاص ضمن أطر قانونية واضحة.
وتتمثل الأولوية في تطبيق القسم الرابع من المرسوم رقم 9458/2022، عبر المباشرة بضبط جميع الشبكات المخالفة المصرح عنها وتلك التي أحصتها الأجهزة الأمنية. ويترافق ذلك مع إلزام وزارة الاتصالات وهيئة "أوجيرو" بتنفيذ 48 أمر أشغال معلقا لربط الشبكات المضبوطة بالمنظومة الشرعية، وتفعيل خدمة "Bitstream" بالكامل، باعتبارها بديلا تقنيا يضمن استمرارية الخدمة للمواطنين.
وفي إطار معالجة المخالفات، أوصى التقرير بالوقف الفوري لتسليم الخطوط التأجيرية المحلية (NLL) لمكونات السوق غير الشرعي، ونقل قاعدة بيانات المشتركين بالكامل إلى عهدة الوزارة، مع تحديد مهلة لا تتجاوز 90 يوما لربط وتسوية أوضاع 35 ألف مشترك غير قانوني ضمن النطاق الجغرافي لسنترالات الدولة العشرة المجهزة أساسا بالألياف الضوئية.
أما على المدى القصير والمتوسط، أي خلال فترة تتراوح بين ثلاثة و18 شهرا، فتركز التوصيات على إنهاء الفوضى التشغيلية ومكافحة الاحتكار، من خلال إلغاء دور وسيط الربط غير المرخص (Collector) وتسوية الأوضاع القانونية للموزعين الفرعيين (Resellers).
إجرائيا، منح التقرير الإدارة مهلة 180 يوما للبت في 140 طلبا عالقا مقدما من شركات القطاع الخاص لتمديد الألياف الضوئية، مع فرض آلية رقابة متبادلة تقوم على إصدار تقرير متابعة فصلي مشترك يرفع إلى ديوان المحاسبة. كما دعا إلى وضع فصل إداري واضح ومكتوب يحدد بدقة الصلاحيات التنفيذية المتبقية للوزارة والصلاحيات الرقابية العائدة إلى الهيئة المنظمة، بالتوازي مع المباشرة في تحصيل الرسوم المالية الفائتة واستردادها منذ نشر القرار التطبيقي رقم 544/1/2023.
وعلى المدى البعيد، وصولا إلى عام 2031، تتمحور الاستراتيجية حول التوفيق بين إنفاذ القانون وتطوير البنية التحتية. فقد أوصى الديوان باستكمال مشاريع الألياف الضوئية (FTTH) والجيل الرابع (LTE) لتوفير بديل شرعي متكامل، شرط أن يسير التطوير بالتوازي مع تطبيق القوانين، لا أن يحل محلها أو يستخدم ذريعة لتأجيل تنفيذها.
وتهدف هذه الرؤية إلى إخضاع جميع شركات تزويد الإنترنت (ISP/DSP) لهيكل الرسوم الموحد الذي تعتمده الدولة، بما يضمن استقطاب أكثر من مليون مشترك غير شرعي ونقلهم إلى المنظومة القانونية قبل حلول عام 2031.
ختاما، يؤكد التقرير استمرار المسار القضائي من خلال إبقاء الملف المحال إلى النيابة العامة المالية قائما، لملاحقة مشغلي الشبكات الذين لم تستكمل إجراءات ضبطهم، وضمان إنزال العقوبات القانونية بالجهات المتعدية على المال العام، ومصادرة التجهيزات المخالفة لمصلحة الخزينة.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.