ما وراء تراجع الكرة المصرية… مواهب حاضرة وقرارات غائبة
تتراجع الجودة الفنية في الكرة المصرية على نحو ملحوظ، فالأزمة لم تُعد مرتبطة بالنتائج أو بموسم ضعيف، بل تمتد إلى طريقة إدارة المسابقات وبناء الفرق واكتشاف المواهب. وفي حين تتكرر محاولات العلاج عبر تغيير نظام الدوري، أو زيادة عدد الأندية وإلغاء الهبوط، أو التوسع في الصفقات، ظهرت فكرة دمج الأندية كحل عاجل لبعض الأزمات المالية والتنظيمية. غير أن هذه الإجراءات لا تعدو كونها مسكنات لا تعالج جذور الأزمة ما دامت طريقة إدارة اللعبة، وتوزيع الموارد، واختيار الكفاءات لا تتغير.
تغييرات بلا تخطيط
تبدّل لوائح المسابقة باستمرار من دون وضوح شكل المنافسة، يجعل الأندية عاجزة عن التخطيط الطويل الأجل. كما تتسع الفجوة المالية بين القطبين وبعض أندية الشركات، من جهة، والأندية الشعبية وأندية الأقاليم، من جهة أخرى؛ فتظل المنافسة على اللقب محدودة، فيما تنشغل فرق كثيرة بصراع البقاء، لا ببناء مشروع فني قادر على الاستمرار.
وتبدأ الأزمة مبكراً من قطاعات الناشئين، التي ينشغل بعضها بحصد بطولات المراحل السنية أكثر من إعداد لاعبين للفريق الأول. فالمدرب يُقاس غالباً بالنتيجة، لا بعدد المواهب التي طورها، وهو ما يدفع إلى تفضيل اللاعب الأكثر جاهزية على حساب صاحب المهارة القابل للتطور.

المدرب يُقاس غالباً بالنتيجة لا بعدد المواهب التي طورها.
أداء متراجع وصفقات مكلفة
وتنعكس هذه الفوضى على الملعب؛ ففرق عديدة تلجأ إلى التحفظ، والاعتماد على الكرات الطويلة والالتحامات، وإهدار الوقت بدلًا من بناء اللعب وتطوير الحلول الهجومية، خوفاً من الخسارة وحسابات البقاء. فتظهر الفجوة البدنية والذهنية أمام المنافسين أفريقياً ودولياً، مع صعوبة الحفاظ على نسق سريع طوال المباراة.
كما يزيد ضغط المباريات وعدم انتظام جدول الدوري صعوبة التدريب، إذ تنشغل الفرق بالسفر والاستشفاء واللعب المتواصل، ما يرفع خطر الإصابات ويحد من العمل التكتيكي. كما تؤثر أرضيات بعض الملاعب، وتفاوت جودة البث والإخراج وتقنية الفيديو، في أجواء المباريات.
وفي سوق تضخمت فيه الأسعار، وغابت عنه معايير الاحتياج الفني والتحليل، واستندت التعاقدات إلى الضجة الإعلامية أو توصيات غير منهجية، بدل تحليل احتياجات الفريق والاستفادة من بيانات الأداء والكشافين، باتت فرق كثيرة تنفق مبالغ ضخمة على لاعبين لا تتناسب قيمتهم مع مردودهم.
كفاءات شابة خارج الحسابات
الأزمة لا ترتبط بندرة المواهب أو الخبرات الجديدة، بقدر ارتباطها بضعف آليات اكتشافها والاستفادة منها مع استمرار شخصيات بعينها في مواقع مؤثرة لسنوات من دون إضافة واضحة، فيما تُهمَّش كفاءات شابة أثبتت قدرتها، والنماذج كثيرة.
فسعيد النحاس، الذي لم يتجاوز الـ26، عمل في تحليل الأداء مع الأهلي خلال حصد أربعة ألقاب من ضمن الجهاز الفني بقيادة السويسري مارسيل كولر، كما ساهم مع مولودية الجزائر في تحقيق بطولة.
وفي مجال اكتشاف اللاعبين، ساهم الشاب أحمد غنيمي في ترشيح المهاجم وسام أبو علي سابقاً، ورشح عبد الحميد المحمودي لاعب الوسط المالي أليو ديانغ للأهلي. فيما يمتلك كريم فضل محطات متعددة في اللعبة، وساهم أخيراً في اكتشاف عدد من اللاعبين، منهم محمود صلاح ومحمد عبد الناصر، اللذان انضما للأهلي، ومحمد سمير "كونتا"، الذي يقترب من الانتقال إلى بازل السويسري.
هذه النماذج لا تعني أن الحل في استبدال أسماء بأخرى لمجرد صغر سنها، وإنما في فتح المجال أمام الكفاءة، وتقييم العمل بالأثر والنتائج، والاستفادة من التحليل الفني والبيانات في بناء الفرق. فمصر لا تزال تعجّ بالمواهب، لكن الطريق، من اكتشاف الموهبة إلى تطويرها ومنحها الفرصة، لايزال يعاني خللاً واضحاً.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.