شمال أفريقيا بين العبور والاستهلاك... كيف تغيّرت سوق المخدرات؟
يتجاوز شمال أفريقيا تدريجياً دوره التقليدي كممر للمخدرات المتجهة إلى أوروبا. فإلى جانب استمرار طرق التهريب العابرة للمنطقة، ترصد تقارير دولية اتساع الأسواق المحلية وتنوع المواد المتداولة، فيما تكشف بيانات رسمية في عدد من دول المنطقة ارتفاعاً في قضايا المخدرات والتعاطي والعلاج والمضبوطات.
من الممر إلى السوق
يشير التقرير العالمي للمخدرات لعام 2026، الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، إلى أن بيانات العلاج والمضبوطات، على محدوديتها، تؤكد وصول الكوكايين إلى أسواق التجزئة في شمال أفريقيا.
وفي موازاة ذلك، أثار تفكيك منشآت كبيرة لإنتاج "الكبتاغون" في سوريا تساؤلات عن احتمال انتقال جزء من التصنيع إلى مناطق أخرى. وتحدثت أبحاث أممية عن تكهنات بشأن انتقال بعض الإنتاج إلى أجزاء من أفريقيا، بينها شمال القارة، من دون أدلة حاسمة تثبت نشوء مراكز إنتاج واسعة هناك حتى الآن.
ويربط خبراء هذا التحول بموقع المنطقة والأوضاع الأمنية والاقتصادية التي تشهدها. ويقول الخبير الأمني التونسي علي زرمدين لـ"النهار" إن شمال أفريقيا "يجمع اليوم بين العبور والاستهلاك والتصنيع، وإن اختلفت طبيعة الظاهرة من دولة إلى أخرى".
بدوره، يؤكد الخبير الجزائري في الشؤون الأمنية والاستراتيجية أحمد ميزاب لـ"النهار" أن فهم التحول من منطقة عبور إلى سوق استهلاك "يقتضي النظر إلى التغيرات العميقة في البيئة الأمنية والإجرامية خلال العقدين الأخيرين". فالشبكات الإجرامية العابرة للحدود، وفق قوله، باتت تنظر إلى دول المنطقة كأسواق قائمة بذاتها ومجالات لتوسيع النشاط وتحقيق أرباح إضافية.
ويشير إلى أن الجزء الأكبر من الشحنات الآتية من أميركا اللاتينية أو المنتجة في مناطق أخرى كان يعبر الفضاء الأفريقي باتجاه أوروبا، باعتبارها السوق الأكبر والأكثر ربحية. ومع تشديد الرقابة الأوروبية على الموانئ والمطارات والحدود البحرية، أعادت الشبكات الإجرامية صياغة مساراتها ووسعت نطاق عملها داخل دول العبور نفسها.
ويرى ميزاب أن الأزمات الأمنية في بعض دول الساحل والصحراء، إضافة إلى الفجوات التي ظهرت في مؤسسات الدولة الليبية خلال مراحل من الصراع، وفرت مساحات استغلتها شبكات إجرامية لتأمين طرق تهريب وإنشاء مخازن وقواعد لوجستية وممرات لنقل المخدرات والأسلحة والأموال.

تونس وليبيا تكشفان الاتجاه
في تونس، ارتفع عدد قضايا المخدرات من نحو 5 آلاف قضية عام 2020 إلى قرابة 15 ألفاً عام 2025، فيما زاد عدد الموقوفين في قضايا مرتبطة بالمخدرات من نحو 10 آلاف إلى قرابة 27 ألفاً خلال الفترة نفسها، وفق معطيات رسمية.
وقال مسؤول إدارة مكافحة المخدرات محمد علي الشعيبي إن جزءاً من المواد التي تدخل تونس عبر شبكات التهريب يبقى داخل البلاد، بما يساهم في تكوين سوق محلية. وأضاف أن موقع تونس في البحر المتوسط وقربها من أوروبا يجعلانها في قلب مسارات تهريب متعددة، مشيراً إلى دخول مخدرات "بحراً وجواً وبراً"، بينها الكوكايين وأقراص "إكستازي" عبر الحدود مع ليبيا.
وفي ليبيا، أعلن جهاز مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية أن حصيلة عام 2025 شملت ضبط نحو 6488 كيلوغراماً من الحشيش، و1.885 مليون قرص من الأقراص المهلوسة والمؤثرة عقلياً، ونحو 68.4 كيلوغراماً من الكوكايين.
وتقدم ليبيا نموذجاً واضحاً على تداخل مسارات العبور مع السوق المحلية. فقد وصف مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة البلاد بأنها حلقة رئيسية في حركة القنب والكوكايين والمخدرات الاصطناعية والمستحضرات الصيدلانية بين شمال أفريقيا والساحل وأوروبا والشرق الأوسط، بالتوازي مع مؤشرات على ارتفاع الاستهلاك المحلي، ولا سيما للمواد الاصطناعية.
ويرى المحلل الليبي حسام الدين العبدلي أن "الانقسام الأمني والسياسي بعد 2011 أضعف الرقابة على الحدود وسمح للشبكات الإجرامية باستغلال البلاد كممر وسوق في آن". ويشير في حديث لـ"النهار" إلى أن الأزمات الاقتصادية والفقر وتراجع قدرة المؤسسات على فرض الرقابة عوامل "تساعد على استمرار الظاهرة".
ويقول إن مواد كانت محدودة الانتشار في المجتمع الليبي أصبحت أكثر تداولاً، خصوصاً الحبوب المهلوسة، مقدراً أن نسبة كبيرة من بعض الجرائم الجنائية في البلاد ترتبط بالمخدرات.

مضبوطات في عملية ضد شبكة دولية لتهريب الكوكايين عبر مطار تونس قرطاج. (إعلام تونسي)
الأمن وحده لا يكفي
تربط التقارير الدولية توسع استهلاك المخدرات بمجموعة أوسع من العوامل، بينها الصعوبات الاقتصادية والتهميش الاجتماعي والصراعات وضعف الحوكمة واتساع نشاط الجريمة المنظمة.
وترد دول المنطقة بتشديد الإجراءات الأمنية والقانونية. ففي الجزائر، أنشأت السلطات جهازاً متخصصاً لمكافحة المخدرات وشددت الإجراءات بحق المهربين، فيما يواصل البرلمان التونسي مناقشة مقترح لتنقيح القانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة المخدرات.
ويرى زرمدين أن المقاربة الأمنية تحتاج إلى مسار صحي واجتماعي وثقافي موازٍ. أما ميزاب فيشير إلى أن شبكات المخدرات تتجاوز الحدود السياسية وتستفيد من الفوارق القانونية والأمنية بين الدول ومن اتساع المناطق الصحراوية.
ويشدد على أولوية إنشاء آليات دائمة لتبادل المعلومات عن الشبكات الإجرامية ومسارات تمويلها، وتعزيز المراقبة المشتركة للمناطق الحدودية الحساسة، وتوسيع استخدام التكنولوجيا الحديثة، من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي لرصد التحركات المشبوهة.
ويعتبر أن نجاح المواجهة يتطلب منظومة إقليمية متكاملة للأمن والتعاون الاستخباراتي والقضائي، إلى جانب الوقاية داخل المدرسة والجامعة والأسرة ووسائل الإعلام ومؤسسات التنشئة الاجتماعية.
وفي سوق عالمية تتغير بسرعة، يواجه شمال أفريقيا تحدياً مزدوجاً يتمثل في الحد من استخدام أراضيه ممراً للشحنات، ومنع ترسخ أسواق استهلاك محلية قادرة على التوسع واستنزاف قدرات المجتمعات.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.