من الحوثيين إلى إثيوبيا... توترات البحر الأحمر تثير مخاوف مصر
حمل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وثيقته الأمنية ونشرها عبر وسائل الإعلام، مظهراً رؤيته الخاصة للأمن الإسرائيلي. والخطوة هذه لا يمكن فصلها عن حمّى الانتخابات، خصوصاً أن المعارضة تحمّله وحكومته مسؤولية عدد من الإخفاقات الأمنية، وعلى رأسها هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
إنما ما لفت خلال مؤتمره الصحافي الخريطة الجيوسياسية التي عرضها، والتي كانت مؤسسة "فريدريش إيبرت" الألمانية قد نشرتها في شهر أيار/مايو الماضي، والتي تشير إلى توزيع موازين القوى المتصارعة في المنطقة بين إيران وإسرائيل والقوى الإقليمية الأخرى، مثل تركيا والسعودية ومصر.
وعلى هذه الخريطة، جاءت مصر في خانة واحدة مع كل من تركيا وباكستان والسعودية، مع الإشارة هنا إلى أن مصر لم تدخل تحالف مكة الذي أُعلن عنه في آب/أغسطس. لكن في كل الأحوال، فإن الخريطة تشير بشكل لا لبس فيه إلى حجم الصراع في منطقة الشرق الأوسط، الذي تتداخل فيه المصالح الإقليمية مع تلك الدولية، إلى جانب الأزمات الداخلية في عدد من الدول.
وموقع "مؤسسة فريدريش إيبرت" أرفق الخريطة تحت عنوان "خريطة: التحالفات الجيوسياسية في الشرق الأوسط"، مع نص جاء فيه أنه في ظل التنافس "بدأ يتشكل تكتل سني يضم كلاً من المملكة العربية السعودية وباكستان وتركيا ومصر، يُطلق عليه التحالف السني الماسي" (Sunni Diamond Alliance).
ويشير كذلك إلى وجود أصوات في واشنطن تحذّر من تصاعد التوترات بين حلفاء الولايات المتحدة وشركائها، "ما قد ينذر بظهور نظام إقليمي جديد في مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية". وأنه في الوقت ذاته، بدأت الصين في "فرض ثقلها ما يعطي بُعداً جديداً إلى مشهد إقليمي يتسم أصلاً بالسيولة والتنافس المحتدم".
ومنذ نشر هذا الخبر حتى اليوم، فإن أحداثاً كثيرة عصفت بالمنطقة التي أشارت إليها الخريطة. أما التحالف السني الذي تحدثت عنه، فجاءت بنيته على شكل مختلف عن تصور المؤسسة الألمانية، كما أن مصر بقيت خارجه.
لكن هذا لا يعني أن مصر خارج دائرة هذا الصراع، فالأمن القومي المصري لا ينفصل عن نظيره في الخليج العربي، كما أنه لا ينفصل عن القرن الأفريقي، والقاسم المشترك بينهما هو البحر الأحمر.
باب المندب وقناة السويس
منذ حرب تحرير الكويت، التي أُطلق عليها اسم "عاصفة الصحراء"، كانت لمصر مشاركة في الحفاظ على أمن الخليج. وبالنسبة إلى القاهرة، فإن موقفها التاريخي هو الوقوف إلى جانب أي دولة خليجية قد تتعرض لتهديد.
وعندما يمسّ التهديد أمن قناة السويس، فهذا يعني عملياً ارتباطاً عضوياً بين الأمن القومي لمجموع هذه الدول، خصوصاً إن جاء من المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عند باب المندب.
وفي هذا السياق، يقول وكيل الاستخبارات العامة المصرية السابق، اللواء محمد رشاد: "يأتي إرسال قوات مصرية للدفاع عن السعودية في صراعها مع الحوثيين امتداداً للأمن الأفريقي الذي تحرص مصر على عدم المساس به واستقراره".
وفي المقابل، يقلّل من شأن تصريحات نتنياهو والخريطة التي عرضها، ويقول لـ"النهار" إن الهدف الرئيسي منها هو الانتخابات، "لذلك يقوم بكل أنواع التصريحات والدعاية خدمة لموقفه الانتخابي، وهذا معروف عنه".
بين السعودية والقرن الأفريقي
كان مجلس الدفاع الوطني المصري قد وافق، في اجتماع برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي، على إرسال قوات عسكرية إلى السعودية في "مهمة للدفاع عن أمنها واستقرارها وصون مقدراتها إثر تصاعد الاعتداءات والتهديدات الإقليمية التي تعرضت لها".
الموقف هذا جاء بعد تصاعد الحرب مع الحوثيين ومحاولاتهم إحكام سيطرتهم على مضيق باب المندب، مع ما لكل ذلك من تبعات استراتيجية على أمن البحر الأحمر.
وفي الوقت عينه، فإن الصراع يشتد وطيسه في القرن الأفريقي، مع التوتر العسكري بين إريتريا وإثيوبيا في إقليم تيغراي، ليضاف إلى الصراع المائي بين القاهرة وأديس أبابا على خلفية سدّ النهضة، ومحاولات إثيوبيا فتح ممر لها باتجاه البحر الأحمر. وهنا تبرز مشكلة أخرى هي أرض الصومال الباحثة عن استقلال معترف به دولياً، من دون أن ننسى الحرب الدائرة في السودان.
وبالتالي، تظهر خريطة أخرى يمكن إضافتها إلى تلك الخاصة بمؤسسة "فريدريش إيبرت"، تُبيّن حجم تداخل المصالح والصراع الإقليمي والدولي. وهنا أيضاً لمصر حصتها عملاً بمساحة أمنها القومي وموقعها السياسي عربياً وأفريقياً.

مشهد لسدّ النهضة الإثيوبي خلال حفل تدشينه في غوبا، في 9 أيلول/سبتمبر 2025. (أ ف ب)
وبالنسبة إلى اللواء رشاد، فإن مصر ترى أن "الأمن الأفريقي مكمّل لأمنها القومي، لتأمين ممرات موارد المياه اللازمة لها، خصوصاً دول حوض النيل، لضمان موارد مياهها وأمن الممرات المائية التي ترتبط بموانئها في منطقة البحر الأحمر"، الذي يُعتبر شرياناً هاماً للتجارة العابرة لها، سواء الملاحية منها أو المرتبطة بمشروعات الطاقة عبر الأراضي المصرية.
ويتابع: "جغرافياً، فإن دول الجوار الأفريقية تعتبر امتداداً للأمن القومي المصري، وخاصة استقرار السودان"، التي مثّلت على مرّ الزمان عمقاً استراتيجياً للأمن القومي المصري، وكذلك الصومال التي تدخل في "تأمين ممرات البحر الأحمر التي تمر عبر مصر".
إذًا، الأمن القومي المصري لا يقتصر على الحدود اللصيقة، بل هو متشعب من الخليج العربي إلى شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، وسبق لمصر أن لعبت دوراً أساسياً في مواجهة القراصنة الصوماليين منذ تسعينيات القرن الماضي. وربطاً بما يحدث في منطقة الخليج، ولا سيما السعودية في حربها مع الحوثيين، نجد أن المسألة بالنسبة إلى مصر لا تتعلق بالتجارة فقط، إنما بتوازنات المنطقة.
وفي هذا الإطار، يقول مدير مؤسسة النيل للدراسات الأفريقية والاستراتيجية الدكتور محمد عزالدين، لـ"النهار"، إن ما حدث في السعودية من قبل الحوثيين "يعدّ نمواً لتواجد بعض الدول الطامعة في استبدال الدور المصري في الخليج بأدوار دول أخرى وفي المنطقة وفي الإقليم".
ويلفت إلى أن تصاعد التوتر والعنف في مضيقي باب المندب وهرمز يجعل العالم في حالة انتظار "حدوث انفجار اقتصادي كبير جداً حتى يكون ذريعة لتدخل قوى إقليمية ودولية، وهذا يعني الأمن القومي المصري مباشرة".
ويضيف عزالدين أن ما يحدث في البحر الأحمر من جانب القرن الأفريقي، ومحاولة إثيوبيا إيجاد موطئ قدم لها في البحر الأحمر، يُعدّ مسألة أمن قومي مصري، "لأن إثيوبيا لم تدخل للتجارة أو الاقتصاد أو تلبية لاحتياجات شعبها، إنما التحضير لتواجد عسكري على البحر الأحمر". وفي السياق، يطرح الباحث المقيم في مصر مسألة الأمن القومي الجماعي للدول المطلة على البحر الأحمر، ويقول إن "وجود دولة جديدة لها علاقتها مع دول معادية لدول كثيرة مشاطئة على البحر الأحمر يعتبر أمناً قومياً مصرياً وعربياً ولكل الدول المشاطئة بالمقام الأول".
خيارات القاهرة ومحاذيرها
ومع كل هذه التحديات، تبقى لدى مصر حسابات أخرى، وهي أن أي سيناريو قد تذهب إليه لا بد أن تشمل خريطة تحرك القوات المسلحة حسابات المخاطر المترتبة عليه.
البقاء على الحياد في ظلّ الصراع القائم من شأنه أن يضع موقعها الإقليمي في حالة تآكل تدريجي. أما دخولها الصراع مباشرة، فله أيضاً محاذير، إذ قد يعرّض الأرض المصرية لمخاطر هجمات المسيّرات أو الصواريخ الباليستية، وهذا سيشكّل عملية استنزاف للاقتصاد الذي يعاني أصلاً.
أمّا الخيار الثالث، فهو إبقاء أي تحرك للقوات المسلحة ضمن تحرك دفاعي لا هجومي، كما أشار بيان مجلس الدفاع الوطني، وهذا لا ينفصل عن حراك آخر تقوده الديبلوماسية المصرية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.