من الإخوان إلى اليسار... حراك يسبق قانون الأحزاب في سوريا
قبل أن تكتمل القواعد القانونية للحياة الحزبية في سوريا، بدأت قوى سياسية متباينة تتحرك لإعادة ترتيب مواقعها. ففي أيلول/سبتمبر وحده، أكد مجلس شورى جماعة "الإخوان المسلمين" استمرارها، واجتمعت خمسة أحزاب يسارية في دمشق، فيما رفع "تجمع سوريا الديموقراطية" سقف خطابه المعارض.
لا تجمع هذه القوى جبهة واحدة، ولا تتفق على طبيعة العلاقة مع السلطة، إلا أن تقارب تحركاتها زمنياً يضعها في سياق سياسي واحد، عنوانه البحث عن شكل العمل الحزبي المقبل، في انتظار قانون الأحزاب والدستور الدائم وما سيترتب عليهما من استحقاقات انتخابية.
الإخوان يتمسكون بالبقاء
جدد مجلس شورى "الإخوان المسلمين"، في 27 أيلول، تأكيد أن الجماعة "ستبقى جماعة وطنية مستقلة القرار"، بعد أكثر من عام على دعوة أحمد موفق زيدان، مستشار الرئيس أحمد الشرع للشؤون الإعلامية، إلى حلها. وكان القيادي السابق ملهم الدروبي قد كشف أن مجلس الشورى ناقش خيار الحل، إلا أن الأكثرية رفضته.
ويرفض عضو المكتب السياسي في الجماعة سمير أبو اللبن اعتبار استمرارها تحدياً للسلطة. ويقول لـ"النهار": "لا نرى بقاء الجماعة في سوريا يمثل أي مشكلة أو تحدٍ، فهي مكوّن سياسي مثل باقي المكونات السياسية والاجتماعية، وصوت الناخب هو الذي يحدد المستقبل".
ويضيف أن "الجماعة تضع في مقدمة أهدافها إنجاح المرحلة الانتقالية وصولاً إلى حياة سياسية تعددية، وإبعاد إيران وأذرعها، والعمل على إقرار قانون للأحزاب ودستور دائم يُطرح للاستفتاء".
وحملت رسالة الجماعة بعداً إقليمياً أيضاً. فالبيان وجّه الشكر بصورة منفصلة إلى تركيا وقطر والسعودية والأردن. وتبرز السعودية والأردن خصوصاً في هذا السياق، إذ حظر الأردن نشاط "الإخوان المسلمين" عام 2025، فيما رحبت الرياض في كانون الثاني 2026 بتصنيف الولايات المتحدة فروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان جماعات إرهابية.
ويعطي اختيار هذه الدول مؤشراً إلى محاولة الجماعة السورية إبراز خصوصيتها الوطنية وفصل موقعها عن أزمات التنظيم في دول أخرى.
وعن علاقاتها بالقوى السورية الأخرى، يقول أبو اللبن إن "هناك تواصلاً، وخصوصاً مع الأحزاب التقليدية"، إلا أنه يصف مستوى التنسيق بأنه "خجول ومتواضع".
اليسار... اجتماع بلا اتفاق
على الضفة الأخرى، اجتمع في دمشق، في 17 أيلول، ممثلون عن "حزب العمل الشيوعي" و"الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي" و"الحزب الشيوعي السوري الموحد" و"الحزب اليساري الكردي" و"حزب الإرادة الشعبية". وبين المشاركين "الحزب الشيوعي السوري الموحد"، الذي كان ضمن "الجبهة الوطنية التقدمية" السابقة المشمولة بقرار الحل.
ويقول مصدر مقرب من الأحزاب المجتمعة لـ"النهار" إن "اللقاء كان خطوة أولى، أقرب إلى التعارف وتبادل وجهات النظر، من دون التوصل إلى اتفاق محدد". ويضيف أن "جلسة ثانية مقررة اليوم الخميس، وقد تخرج بوثيقة تعبّر عن رؤية مشتركة".

ممثلون عن خمسة أحزاب يسارية خلال اجتماع في دمشق، 17 أيلول/سبتمبر 2026. (إعلام سوري)
ويقول عضو رئاسة "حزب الإرادة الشعبية" علاء مصطفى عرفات لـ"النهار" إن "الاجتماع الذي جرى بين أحزاب يسارية سورية هو صناعة وطنية بحتة، ولا علاقة لأي جهة خارجية بهذا الاجتماع". ويضيف أن هدفه "التفاهم والتنسيق والتعاون بين هذه الأحزاب، وليست هناك أي أهداف أخرى موضوعة على جدول أعمال المجتمعين".
ويتفق القيادي في "حزب العمل الشيوعي" فاتح جاموس مع نفي أي دور خارجي، لكنه يعطي التحرك مضموناً سياسياً أوضح، رابطاً إياه بالسعي إلى بناء "حالة اعتبار وطني معارض سلمي ديموقراطي". ويؤكد أن الاجتماع "لا يبتغي قضية الحوار مع السلطة"، ويربط إمكان أي حوار بالعودة إلى تطبيق جاد للقرار 2254، بحيث تدخل هذه القوى بوصفها طرف المعارضة.
الخلاف على العلاقة بالسلطة
في المقابل، يقدم حزب يساري دُعي إلى الاجتماع ولم يشارك رواية مختلفة. ويقول مصدر فيه لـ"النهار" إن "اللقاء يتحرك تحت سقف حوار محتمل مع السلطة"، وإن "روسيا وتركيا شجعتا انعقاده". ويضيف أن قرار عدم المشاركة "ارتبط برفض هذا المسار والتحفظ على خلفية السلطة وعلاقاتها المتصاعدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل".
وتتناقض هذه الرواية مع نفي عرفات وجاموس أي دور خارجي، لكنها تظهر أيضاً عمق الخلاف داخل القوى السياسية على حدود التنسيق وطبيعة العلاقة مع السلطة.
ويفسر جاموس ارتفاع سقف "تجمع سوريا الديموقراطية"، الذي ينتمي إليه، مقارنة بمحصلة اجتماع الأحزاب، بأن أي تجمع يلتقي عادة عند الحد الأدنى المشترك. ويرى أن القوى الوطنية الديموقراطية لم تصل بعد إلى "موقف معارض صريح معلن محدد ومنهجي".
يأتي هذا الحراك فيما تتقدم المرحلة الانتقالية نحو استحقاقات دستورية وسياسية جديدة. وكان الرئيس الشرع قد قال، خلال جلسة حوارية أدارها بريت ماكغورك في نيويورك في 22 أيلول، إن أمامه ثلاث سنوات من المرحلة الانتقالية، فيما يفترض أن يشارك مجلس الشعب في المسار المؤدي إلى دستور دائم وتنظيم الحياة السياسية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.