النيابة اللبنانية تحمّل ميشال عون مسؤولية في ملف انفجار مرفأ بيروت

دخل التحقيق في انفجار مرفأ بيروت مرحلة قضائية جديدة، بعد أن أودعت النيابة العامة التمييزية المحقق العدلي القاضي طارق البيطار مطالعتها بالأساس، وهي الرأي القانوني الذي تقدمه النيابة بشأن وقائع القضية والمسؤوليات والتكييف القانوني الذي تراه مناسباً، تمهيداً لاستكمال التحقيق وصولاً إلى إصدار القرار الاتهامي.
وقالت مصادر مطلعة على مطالعة المحامي العام التمييزي القاضي محمد صعب لـ"الشرق" إن النيابة خلصت إلى مسؤولية الرئيس اللبناني السابق ميشال عون في القضية، استناداً إلى علمه بوجود نترات الأمونيوم في المرفأ، من دون أن تطلب الادعاء عليه مباشرة.
وبحسب المصادر، استند صعب إلى التسلسل الزمني للأحداث والوقائع الواردة في الملف، واعتبر أن عون يتحمل مسؤولية، لكنه لم يطلب اتهامه، نظراً إلى أن ملاحقة رئيس الجمهورية تخضع لآلية دستورية مختلفة ترتبط بصلاحيات المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
في المقابل، طلبت النيابة العامة التمييزية الادعاء على المدير السابق لمخابرات الجيش اللبناني، العميد المتقاعد طوني منصور، ما يستوجب، وفق المصادر، أن يحدد البيطار جلسة لاستجوابه، شأنه شأن الأشخاص الآخرين الذين طلبت النيابة الادعاء عليهم.
وأوضحت المصادر أن استجواب منصور لا يعني بالضرورة توقيفه، إذ يعود القرار في ذلك إلى تقدير المحقق العدلي، في ضوء نتائج الاستجواب ومعطيات التحقيق.
دياب ووزراء سابقون
وتناولت المطالعة أيضاً وضع رئيس الحكومة السابق حسان دياب، والوزراء السابقين علي حسن خليل ويوسف فنيانوس وغازي زعيتر.
وقالت المصادر إن القاضي صعب اعتبر أن محاكمة هؤلاء في الجرائم موضوع التحقيق تقع ضمن اختصاص المجلس العدلي، وهو موقف يتوافق، بحسب المصادر، مع مقاربة المحقق العدلي.
أما وزير الداخلية السابق نهاد المشنوق، الذي سبق أن ادعى عليه البيطار، فاعتبرت المطالعة أن طبيعة الجرم المنسوب إليه تختلف عن الجرائم المدعى بها على بقية الشخصيات السياسية، في ضوء اختلاف صلاحيات وزارة الداخلية في ملف المرفأ عن صلاحيات وزارتي الأشغال العامة والنقل والمالية.
وشكل الخلاف بشأن الجهة القضائية المختصة بملاحقة الرؤساء والوزراء إحدى أبرز العقد القانونية التي رافقت التحقيق في انفجار المرفأ، إذ يدور جانب من الجدل حول ما إذا كانت الأفعال المنسوبة إلى مسؤولين سابقين تمثل جرائم عادية يختص بها القضاء العدلي، أم إخلالاً بالواجبات الوظيفية يخضع لآليات دستورية خاصة.
مصير 17 شخصاً أُخلي سبيلهم
وتطرح المطالعة أيضاً مسألة التعامل مع 17 شخصاً سبق أن أخلى المدعي العام التمييزي السابق غسان عويدات سبيلهم، بينهم المدير العام للجمارك بدري ضاهر.
وقالت المصادر المطلعة لـ"الشرق" إن البيطار سيقرر ما إذا كانت هناك حاجة إلى استدعاء أي منهم مجدداً، واتخاذ إجراءات جديدة بحقهم، بما في ذلك احتمال إعادة توقيف بعضهم، وفقاً لما تقتضيه نتائج التحقيق.
وأضافت أن المحقق العدلي سيبحث هذه المسألة مع النيابة العامة التمييزية، باعتبار أن الإجراءات التي يقررها تتولى النيابة العامة تنفيذها.
"المطالعة غير ملزمة للبيطار"
وقال الخبير القانوني سعيد مالك لـ"الشرق" إن إيداع القاضي محمد صعب مطالعته بالأساس لدى البيطار يتيح للمحقق العدلي التوسع في التحقيق وإجراء استجوابات إضافية، أو الانتقال، بعد استكمال الإجراءات اللازمة، إلى إصدار قراره الاتهامي.
وأوضح مالك أن المطالعة بالأساس ليست ملزمة للمحقق العدلي، إذ يمكنه الاستناد إليها والوصول إلى نتائج تتوافق معها، كما يمكن أن يخلص إلى نتائج مختلفة في ضوء التحقيقات والأدلة المتوافرة لديه.
وأضاف أن الحسم في طبيعة الأفعال المنسوبة إلى المدعى عليهم، والتكييف القانوني النهائي لها، سيكون في القرار الذي سيصدره المحقق العدلي، وليس في مطالعة النيابة العامة.
وبحسب مالك، سيحدد القرار الاتهامي الأشخاص الذين ستوجه إليهم الاتهامات ويحالون إلى المجلس العدلي، في مقابل من قد يقرر البيطار منع المحاكمة عنهم.
مسار مختلف بالنسبة لميشال عون
ويختلف الوضع القانوني للرئيس السابق ميشال عون عن بقية الشخصيات الواردة في الملف، إذ إن تحميله مسؤولية مرتبطة بعلمه بوجود نترات الأمونيوم لا يعني إمكان ملاحقته مباشرة أمام المجلس العدلي.
وأوضح مالك أن ملاحقة الرئيس السابق تستوجب إجراءات دستورية مختلفة، تبدأ بطلب اتهام أمام مجلس النواب، على أن يحظى بموافقة أغلبية الثلثين، قبل إحالة القضية إلى المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
وبالتالي، فإن أي استنتاج بشأن مسؤولية عون سيظل محكوماً بهذه الآلية، إذا تعلق الأمر بمسؤولية تدخل ضمن نطاق الاختصاص الدستوري للمجلس الأعلى.
أما بالنسبة إلى دياب والوزراء السابقين المعنيين بالملف، فقال مالك إن المسار القضائي يتوقف على طبيعة الجرائم التي سيخلص إليها التحقيق.
وأوضح أنه إذا اعتُبرت الأفعال المنسوبة إليهم جرائم عادية لا تندرج ضمن الإخلال بالواجبات الوظيفية، فإنها تدخل ضمن اختصاص القضاء العدلي والمجلس العدلي، في حين تخضع الجرائم المرتبطة بالإخلال بالواجبات الوظيفية للنقاش المتعلق بصلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
استجواب حسان دياب
وكان البيطار قد استأنف تحقيقاته في ملف انفجار مرفأ بيروت في فبراير 2025، بعد توقف استمر أكثر من 3 سنوات، على خلفية سلسلة من الدعاوى والإجراءات القضائية التي عطلت التحقيق.
وفي أبريل 2025، استجوب البيطار رئيس الحكومة السابق حسان دياب لنحو ساعتين ونصف الساعة.
وقال وكيل دياب، الوزير السابق والمحامي رشيد درباس، حينها، إن موكله أجاب عن جميع أسئلة المحقق العدلي، موضحاً أن الدفاع ركز على نقطتين أساسيتين: الأولى أن حكومة دياب هي التي أحالت قضية انفجار المرفأ إلى المجلس العدلي، والثانية تمسك الدفاع بصلاحية المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
وأعرب درباس عن أمله في أن ينتهي التحقيق بمنع محاكمة دياب.
وقالت مصادر لـ"الشرق" إن وكيل دياب لم يتقدم بدعوى مخاصمة أو بدفوع شكلية لوقف التحقيق، مؤكدة أن رئيس الحكومة السابق لم يكن يريد عرقلة التحقيق، وإنه حضر للاستجواب رغم عدم تبليغه رسمياً، بسبب وجوده خارج البلاد.
تعاون قضائي مع فرنسا
وتزامن استئناف التحقيق اللبناني مع استمرار التعاون القضائي مع فرنسا، التي تجري بدورها تحقيقاً في انفجار المرفأ على خلفية وجود ضحايا فرنسيين.
وزار وفد قضائي فرنسي بيروت العام الماضي لمتابعة مسار التحقيقات، والتقى البيطار والمدعي العام التمييزي ووزير العدل، في إطار التعاون القضائي بين البلدين.
وأطلع الوفد الجانب اللبناني على آخر المعطيات التي توصل إليها القضاء الفرنسي، فيما أطلع البيطار الوفد على التحقيقات والإجراءات التي أجراها منذ استئناف عمله مطلع 2025.
كما شمل التعاون تبادل معلومات بشأن تحقيقات فنية أجراها الجانب الفرنسي، ويمكن للقضاء اللبناني الاستفادة منها في استكمال التحقيق.
القرار الاتهامي.. المحطة المقبلة
ولا يعني تسلّم البيطار مطالعة النيابة العامة أن القرار الاتهامي سيصدر فوراً، إذ لا يزال أمام المحقق العدلي التعامل مع طلبات الادعاء الجديدة، واستجواب الأشخاص الذين شملتهم المطالعة، فضلاً عن إمكان إجراء تحقيقات إضافية إذا رأى أنها ضرورية قبل إقفال التحقيق.
وعند استكمال هذه الإجراءات، يمكن للبيطار الانتقال إلى إصدار قراره الاتهامي، محدداً الوقائع التي يعتبرها ثابتة، والتوصيف القانوني للجرائم، والمسؤوليات التي يرى أنها تقع على المدعى عليهم، والأشخاص الذين سيحالون إلى المحاكمة، ومن سيقرر منع المحاكمة عنهم.
ولا تقيد مطالعة النيابة العامة النتيجة التي سيصل إليها المحقق العدلي، ما يجعل القرار الاتهامي المرتقب المحطة القضائية الأبرز التالية في القضية، إذ يُنتظر أن يحدد بصورة أوضح المسؤوليات التي يخلص إليها التحقيق بشأن شحنة نترات الأمونيوم، منذ وصولها إلى مرفأ بيروت وحتى انفجارها في 4 أغسطس 2020.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.