وقود إيراني بهوية مزيفة.. وثائق تكشف "خدعة ميانمار"

كشف تحقيق لوكالة رويترز، الإثنين، أن المجلس العسكري الحاكم في ميانمار استخدم وثائق تجارية مضللة لإخفاء استيراد وقود طائرات من إيران، عبر تسجيل شحنات على أنها ديزل مصدره جنوب إفريقيا، في محاولة للالتفاف على العقوبات الأميركية المفروضة على البلدين.
واستند التحقيق إلى عقود تجارية ومراسلات رسمية وبيانات شحن وصور أقمار اصطناعية، كشفت تفاصيل صفقة بقيمة 15.8 مليون دولار، شاركت فيها شركات من ميانمار وتايلاند، ووصلت بموجبها شحنة وقود إيراني إلى ميانمار في ديسمبر 2025.
وتكتسب هذه المعلومات أهمية خاصة في ظل اعتماد الجيش في ميانمار على الطائرات الحربية في عملياته ضد خصومه، وسط اتهامات أممية بشن غارات أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص، بينهم مدنيون، منذ الانقلاب العسكري عام 2021.
شحنة إيرانية بأوراق جنوب إفريقية
بحسب تحقيق رويترز، وصلت ناقلة النفط "ريف"، الخاضعة للعقوبات الأميركية، إلى المياه الإقليمية لميانمار في ديسمبر 2025، محملة بنحو 113 ألف برميل من الوقود.
وأظهرت وثائق الصفقة أن شركة "دايناميك ويف"، وهي وسيط لتجارة الطاقة مقره ميانمار، تعاقدت مع شركة "تاوان أويل تريدينغ" التايلاندية لشراء شحنة ديزل يُفترض أنها قادمة من جنوب إفريقيا.
لكن بيانات الأمم المتحدة وشركة "فورتيكسا" المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة أظهرت عدم تسجيل تجارة مماثلة بين جنوب إفريقيا وميانمار خلال عام 2025.
وكشف تحليل أجرته شركة "سينماكس إنتليجنس"، بالاستناد إلى صور الأقمار الاصطناعية وسجلات الشحن، أن الناقلة حملت في الواقع وقود طائرات من ميناء بندر عباس الإيراني، قبل توجهها إلى جنوب شرق آسيا.
ووفقا للوكالة، استُخدمت وثائق تصف الشحنة بأنها ديزل جنوب إفريقي لإخفاء مصدرها الحقيقي وطبيعة الوقود المنقول.
وثيقة سرية تكشف دور السلطات
ومن أبرز ما كشفه التحقيق رسالة صادرة عن هيئة تنظيم الصرف الأجنبي في ميانمار، بتاريخ 30 نوفمبر 2025، تضمنت موافقة على تصنيف الشحنة باعتبارها ديزل "بدلا من وقود طائرات".
وبحسب نسخة الوثيقة التي اطلعت عليها رويترز، أبلغت الهيئة أحد عملاء شركة "دايناميك ويف" بأنها ستصدر مستندات الاستيراد وفق التصنيف المعدل، قبل وصول الناقلة بأيام.
كما سمحت الرسالة للشركة وعميلتها "ناشونال إنرجي برايم أفييشن سيرفيسيز"، التي تمتلك الحكومة المدعومة من الجيش حصة فيها، بتحويل قيمة الصفقة إلى الشركة التايلاندية.
وقدمت منظمة "العدالة لميانمار" الحقوقية هذه الوثائق إلى رويترز، موضحة أنها حصلت عليها من خادم إلكتروني تابع للمجلس العسكري كان متاحا للجمهور لفترة قصيرة.
ولم توضح الوثيقة سبب تغيير تصنيف الشحنة، لكن التحقيق يشير إلى أن هذه الإجراءات ساعدت في إخفاء تجارة وقود الطائرات الخاضعة للعقوبات.
ولم ترد الشركتان المعنيتان ولا السلطات في ميانمار أو وزارة الخارجية الإيرانية على طلبات التعليق التي وجهتها رويترز.
حساب مصرفي في تايلاند
وكشف عقد بيع الوقود أن قيمة الصفقة، البالغة 15.8 مليون دولار، كان من المقرر تحويلها إلى حساب شركة "تاوان أويل تريدينغ" لدى بنك سيام التجاري في تايلاند.
وكان خبراء تابعون للأمم المتحدة قد أشاروا في تقرير صدر عام 2024 إلى دور الشركة التايلاندية في توريد وقود الطائرات للجيش في ميانمار.
كما وصف التقرير بنك سيام التجاري بأنه إحدى الجهات الرئيسية التي سهلت عمليات الشراء العسكرية لميانمار.
ورد البنك آنذاك بالتأكيد على التزامه بقوانين مكافحة غسل الأموال، مشددا على أن معاملاته المتعلقة بميانمار قانونية ولا ترتبط بتجارة الأسلحة.
وأكدت رويترز أنها لم تتمكن من تحديد ما إذا كان البنك على علم بالطبيعة الفعلية لأنشطة شركة "تاوان" أو تفاصيل شحنة الوقود محل التحقيق.
شحنة أخرى تكشف نمط التحايل
ولم تكن شحنة ديسمبر الحالة الوحيدة التي رصدتها رويترز، إذ كشف التحقيق عن صفقة سابقة أبرمتها "دايناميك ويف" مع الشركة التايلاندية في مايو 2025، لشراء 202 ألف برميل من الديزل الجنوب إفريقي المزعوم، بقيمة تقارب 26 مليون دولار.
وأظهرت الفواتير تناقضات في مواصفات الوقود وأسعاره، إذ تطابقت كثافته مع مواصفات وقود الطائرات، بينما تجاوز سعره المؤشر العالمي للديزل بأكثر من 50 بالمئة.
وفي 17 يونيو 2025، وصلت الناقلة "نوبل" إلى ميناء يانغون محملة بنحو 200 ألف برميل من وقود الطائرات المخصص لشركة "دايناميك ويف".
وبحسب تحليل صور الأقمار الاصطناعية، جرى تحميل الشحنة من ميناء بندر عباس الإيراني، بينما بثت الناقلة إشارات موقع توحي بأن وجهتها ميناء شيتاغونغ في بنغلادش.
وتشير هذه الوقائع إلى استخدام وثائق تجارية وبيانات ملاحية مضللة لإخفاء مصدر الوقود ووجهته الفعلية.
عقوبات أميركية
وتفرض الولايات المتحدة منذ عام 2023 عقوبات تستهدف قطاع وقود الطائرات في ميانمار، على خلفية الغارات الجوية التي يشنها الجيش على مناطق مدنية في إطار الحرب المستمرة ضد التنظيمات المسلحة المناهضة للحكم العسكري.
كما يخضع قطاع النفط الإيراني لعقوبات أميركية واسعة، ما يعرض الشركات والأطراف المشاركة في شراء الوقود الإيراني لخطر العقوبات.
وكان الجيش في ميانمار قد استولى على السلطة في فبراير 2021، بعد الإطاحة بالحكومة المنتخبة بقيادة أونغ سان سو تشي، ما أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة تحولت لاحقا إلى صراع مسلح.
ووفقا للأمم المتحدة، أسفرت الغارات الجوية التي نفذها الجيش منذ الانقلاب عن مقتل آلاف الأشخاص، بينهم عدد كبير من المدنيين.
وكشفت رويترز في تحقيق سابق أن إيران كانت المورد الرئيسي لوقود الطائرات للجيش في ميانمار خلال الفترة من أكتوبر 2024 إلى ديسمبر 2025، وأن جزءا كبيرا من الشحنات نُقل بواسطة الناقلتين "ريف"، التي تغير اسمها لاحقا إلى "ماريس"، و"نوبل".
وأفادت الوكالة بأن عمليات نقل الوقود بين البلدين استمرت خلال عام 2026، رغم العقوبات الأميركية.
ويكشف استمرار هذه التجارة عن قدرة الأطراف المعنية على إيجاد مسارات بديلة لتوريد الوقود، في وقت توفر فيه المبيعات عائدات من العملات الأجنبية لإيران، وتتيح لميانمار الحصول على وقود يمكن استخدامه في الطيران المدني والعمليات العسكرية.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.