هدايا الشركات للأطباء تؤثر سلباً على المرضى.. وصفات أكثر وأدوية أغلى

توصلت مراجعة لعشرات الدراسات، ركزت أغلبها على الولايات المتحدة، إلى أن الهدايا والمدفوعات المالية ووجبات الطعام المجانية، التي تقدمها شركات الأدوية للأطباء، تتسبب في زيادة وصف العقاقير، وارتفاع تكلفتها، وتراجع ملاءمتها الطبية للمرضى.
وشملت المراجعة، التي أجرتها مؤسسة "Cochrane" الدولية المتخصصة في تقييم الأدلة الطبية، 93 دراسة علمية تناولت أنماط وصف الأدوية لدى ملايين الأطباء، وخلصت إلى أن زيادة تعرض الأطباء للأنشطة الترويجية للشركات ترتبط بارتفاع احتمالات وصف أدوية قد لا تكون الخيار الأفضل من الناحية الطبية، أو الاقتصادية.
نشرت النتائج في قاعدة بيانات "Cochrane" للمراجعات المنهجية، وهي من أبرز المراجع العلمية المستخدمة لتقييم فاعلية التدخلات الطبية.
تعتمد شركات الأدوية على مجموعة متنوعة من الوسائل لتسويق منتجاتها للأطباء، تشمل زيارات مندوبي المبيعات للعيادات والمستشفيات، وتقديم الهدايا ووجبات الطعام، وتمويل السفر لحضور المؤتمرات العلمية، ودفع أتعاب الاستشارات والمحاضرات والمشاركة في المجالس الاستشارية، إلى جانب الإعلانات والأنشطة التعليمية التي ترعاها الشركات.
تأثير هدايا شركات الأدوية
ووجد الباحثون أن هذه الأنشطة لا تقتصر آثارها على تعريف الأطباء بالأدوية الجديدة، بل ترتبط أيضاً بتغيير اختياراتهم العلاجية لصالح المنتجات التي تروج لها الشركات، حتى عندما تتوافر بدائل أقل تكلفة، أو أكثر ملاءمة للحالة المرضية.
واستحوذت الولايات المتحدة على 82 دراسة، تعادل نحو 88% من إجمالي الدراسات المشمولة، بينما أجريت الدراسات الإحدى عشرة المتبقية في بريطانيا ودول أوروبية.
ويرجع ذلك جزئياً إلى التشريعات الأميركية التي تلزم شركات الأدوية بالكشف علناً عن المدفوعات والمزايا المالية المقدمة للأطباء، ما يتيح للباحثين مقارنة هذه البيانات بسجلات وصف الأدوية.
وقسّم الباحثون أساليب التسويق إلى 3 فئات رئيسية، هي الإعلانات والأنشطة التعليمية، والهدايا والمدفوعات المالية، والعينات المجانية من الأدوية، كما درسوا تأثير السياسات المؤسسية الرامية إلى الحد من تضارب المصالح بين الأطباء وشركات الأدوية.
أظهرت النتائج أن الهدايا والمدفوعات المالية كانت الأكثر ارتباطاً بالتغيرات السلبية في وصف الأدوية، واستند الباحثون في هذا الجانب إلى 62 دراسة، أظهرت أن الأطباء الذين تلقوا هذه المزايا كانوا أكثر ميلاً إلى وصف أدوية غير ملائمة طبياً، وإصدار عدد أكبر من الوصفات، مع وجود أدلة على ارتفاع تكلفة العلاج.
وفي المقابل، أظهرت 16 دراسة تناولت الإعلانات والأنشطة التعليمية التي تقدمها الشركات، ارتباطاً بزيادة عدد الوصفات الطبية، واحتمال ارتفاع تكلفة الأدوية وتراجع ملاءمتها للحالات المرضية.
وقالت الباحثة المشاركة في الدراسة، ليزا بيرو، الباحثة في جامعة كولورادو أنشوتز الأميركية، إن النتائج تشير بصورة عامة إلى أن زيادة احتكاك الأطباء بالأنشطة الترويجية للشركات ترتبط بوصف أدوية أقل ملاءمة وأكثر تكلفة وبكميات أكبر.
وجبات مجانية للأطباء
وكانت إحدى أبرز النتائج ارتباط عدد وجبات الطعام المجانية التي يتلقاها الطبيب بكمية الأدوية التي يصفها من منتجات الشركة الممولة، إذ رصد الباحثون نمطاً متدرجاً يرتفع فيه معدل وصف الدواء كلما زاد عدد الوجبات التي يتلقاها الطبيب من الشركة المنتجة.
ولم يقتصر هذا الارتباط على فئة علاجية واحدة، بل ظهر في أدوية ارتفاع ضغط الدم والكوليسترول ومضادات الاكتئاب ومسكنات الألم.
قالت الباحثة الرئيسية في الدراسة، باربرا مينتزس، من جامعة سيدني في أستراليا، إن تلقي الأطباء وجبات طعام مجانية من شركات الأدوية ممارسة شائعة، وإن كثيراً منهم يعتقدون أن "هذه المزايا البسيطة لا يمكن أن تؤثر على استقلالية قراراتهم المهنية".
وأضافت أن البيانات تناقض هذا التصور، موضحة أن "ما قد يبدو مجرد وجبة طعام منخفضة التكلفة يمثل في الواقع وسيلة تسويقية ترتبط بزيادة وصف منتجات الشركة، بما في ذلك أدوية أعلى سعراً أو أقل ملاءمة للمرضى".
وسلطت المراجعة الضوء على أزمة المسكنات الأفيونية في أميركا الشمالية باعتبارها أحد أبرز الأمثلة على الأخطار المرتبطة بتسويق الأدوية، بعدما ساهم الترويج المبالغ فيه لفوائد بعض هذه العقاقير، والتقليل من أخطارها، في انتشار وصفها بصورة غير مناسبة.
وأظهرت الدراسات التي شملتها المراجعة ارتباط تلقي الأطباء وجبات طعام، حتى منخفضة التكلفة، بزيادة وصف المسكنات الأفيونية، كما ارتبط ارتفاع قيمة المدفوعات التي يتلقاها الطبيب من الشركات المنتجة بزيادة احتمال وصف جرعات مرتفعة وخطيرة من هذه الأدوية.
وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة في ضوء أزمة الإدمان والوفيات الناجمة عن الجرعات الزائدة من المواد الأفيونية، التي تحولت إلى واحدة من أبرز أزمات الصحة العامة في الولايات المتحدة خلال العقود الماضية.
وقالت بيرو إن أزمة الأدوية الأفيونية ربما كانت المثال الأكثر وضوحاً على النتائج الخطيرة لوصف الأدوية بصورة غير مناسبة، لكنها ليست حالة استثنائية، مشيرة إلى أن العلاقات المالية والترويجية بين شركات الأدوية والأطباء أصبحت جزءاً معتاداً من الممارسات التجارية في القطاع، رغم أن آثارها السلبية قد لا تكون واضحة بالدرجة نفسها في الفئات الدوائية الأخرى.
وتوصلت المراجعة إلى أن السياسات الصارمة لمنع تضارب المصالح يمكن أن تسهم في تحسين جودة وصف الأدوية، وشملت هذه السياسات تقييد زيارات مندوبي الشركات للمؤسسات الطبية، ووضع ضوابط لقبول الهدايا والمدفوعات، والحد من الأنشطة التجارية المباشرة داخل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية.
ويقول الباحثون إن معظم الأدلة المستند إليها جاءت من دراسات رصدية تابعت سلوك الأطباء في ظروف الممارسة الفعلية، وليس من تجارب عشوائية محكمة، ما يعني أن النتائج تثبت وجود ارتباطات قوية ومتكررة، لكنها لا تسمح بالجزم بأن كل زيادة في وصف الأدوية نتجت مباشرة عن الهدايا.
كما أن اقتصار الدراسات على الولايات المتحدة وبريطانيا وأوروبا يجعل من الصعب تعميم النتائج بصورة قاطعة على الأنظمة الصحية في مناطق أخرى من العالم.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.