"لوكّا كوميكس أند جيمز" يحتفل بستين عاماً من الخيال والإرث

يحتفل مهرجان Lucca Comics & Games، أحد أبرز التظاهرات العالمية للقصص المصوّرة والتحريك والألعاب، بستين عاماً على تأسيسه عام 1966، خلال دورته المقامة بمدينة لوكّا الإيطالية، من 28 أكتوبر إلى الأول من نوفمبر 2026، تحت شعار Legacy (الإرث)، متأملاً العلاقة بين الأجيال ومستقبل الفنون في زمن التحوّلات التكنولوجية والاجتماعية.
ويتجسّد الشعار في ملصق الفنان الإيطالي كلاوديو كاستيلّيني، المولود أيضاً عام 1966، ويظهر فيه بطل خارق مسنّ يسلّم قلم رصاص إلى رسّامة صغيرة، وتحوّلت الصورة إلى مشهد واقعي خلال تقديم البرنامج، حين سلّم كاستيلّيني قلمه إلى الفرنسية لويز ستيفان، الفائزة بجائزة Petit Fauve في مهرجان أنغوليم للقصص المصوّرة.
ويحضر كاستيلّيني أيضاً بمعرض استعادي بعنوان Masterstrokes، يتتبّع مسيرته من Dylan Dog وNathan Never إلى أعماله مع Marvel وDC.
وفي حوار حول الإرث والذكاء الاصطناعي والسينما والتبادل الثقافي والقضايا الإنسانية، يقول المدير الفني للمهرجان، إيمانويل فييتينا لـ"الشرق"، إن "الاحتفال بالماضي لا يكتمل إلا بتحويله إلى أداة لفهم الحاضر وتخيّل المستقبل".
الإرث مسؤولية تجاه المستقبل
لا يتعامل فييتينا مع الإرث باعتباره حنيناً إلى الماضي، بل مسؤولية لنقل المعرفة والخبرات وبناء جسور مع مجتمعات المستقبل.
ويقول: "نستكشف تقاليد مجتمع يسير باستمرار نحو المستقبل، ويتكوّن من مجتمعات متعددة. والإرث ليس شيئاً يصل إلينا بالمصادفة، بل ثمرة عمل طويل لنقل الخبرات والمعارف، وتطوير مهرجان يحاور مجتمعاته ويستقطب مجتمعات المستقبل".
ويرى أن الملصق يختصر هذه الفلسفة، لأن "الإرث يعني الصعود على أكتاف العمالقة لرؤية آفاق أبعد"، وستنجز لويز ستيفان عملاً مخصّصاً للمستقبل، تأكيداً لتطلّع الدورة إلى ما سيأتي.
ويضيف: "لا نريد الاحتفاء بالماضي فحسب، بل تخيّل السنوات الستين المقبلة مع الفنانين والمؤلفين والمشاركين، لأن اهتمام لوكّا الأول يظل جمهوره".
وتحمل استعادة التاريخ بُعداً سياسياً وإنسانياً؛ إذ يعيد المهرجان، بعد غياب تجاوز 3 عقود، جائزة الكاتب الأرجنتيني هيكتور خيرمان أوسترهيلد، مؤلف El Eternauta (المسافر الأبدي)، الذي غُيّب قسراً خلال الديكتاتورية العسكرية. وتُخصص للأعمال المعزّزة للحوار والتفاهم بين الشعوب.
ويعلق: "في أوائل التسعينيات كانت الجدران تنهار، أما اليوم فنشهد بناء جدران جديدة. ولهذا يعني الإرث دراسة تاريخنا لفهم الحاضر والتعامل معه".
الذكاء الاصطناعي والتجربة الإنسانية
يثير انتقال القلم بين جيلين سؤال مستقبل الإبداع، بعدما أصبح الذكاء الاصطناعي ينتج الصور والنصوص وينافس مهارات الفنانين. ويرى فييتينا في التحوّل فرصة للتفكير في خصوصية الإنسان.
ويقول: "نحاول بناء الوعي قبل المعرفة. ننجح أحياناً ونفشل أحياناً، لكن ينبغي ألا نخاف المستقبل، وأن يكون المهرجان قادراً على معانقة التغيير".
ويناقش لوكّا الذكاء الاصطناعي منذ 2023، ويستعيد فييتينا عبارة رسّام المانغا الياباني تيتسوؤو هارا: “لا نهاب الذكاء الاصطناعي، لأنه لا يستطيع القيام بشيء نستطيع نحن الفنانين القيام به: أن نتألّم وأن نموت من أجل فكرة”.
وتختصر العبارة، بالنسبة إليه، الفارق بين الإنتاج التقني والإبداع النابع من الذاكرة والعاطفة والمعاناة.
ويعكس برنامج العلاقات الثقافية الإيطالية اليابانية الفكرة، جامعاً أساتذة المانغا، وفي مقدّمتهم غو ناغاي، الذي أسهم في انتشارها أوروبياً، بفنانين يابانيين شباب.
والمانجا قصص مصوّرة يابانية تتميّز برسومات تعبيرية وسرد متسلسل يجمع الصورة والحوار والحركة، وتشكل رافداً أساسياً للأنمي، باقتباس أعمالها إلى أفلام ومسلسلات متحركة.
ويقول فييتينا إن لقاء كاستيلّيني وفرانك ميلر وغو ناغاي بالشباب يدعو إلى “فهم المستقبل وعدم الخوف منه”، ضمن فلسفة تجعل القراءة واللعب تجربتين جماعيتين لفهم الذات والعالم.
كوري إيدا.. الحكاية بين وسيطين
يمتد الإرث إلى السينما، ومن أبرز الضيوف الياباني هيروكازو كوري إيدا، الفائز بسعفة كان الذهبية عام 2018 عن Shoplifters، والذي يقدم فيلمه الجديد Look Back، المقتبس من مانغا تاتسوكي فوجيموتو، في 29 أكتوبر، ويلتقي في اليوم التالي الإيطالي غابرييلي ماينيتّي لمناقشة تجربته وعلاقته بالسرد والصورة.
وتجمع المشاركة السينما اليابانية والمانجا، وتجسّد انتقال الحكايات بين الأجيال والوسائط مع احتفاظها بخصوصيتها.
ويقول فييتينا: "ما يهمّ ليس المجال الفني بحد ذاته، بل الحلم الإبداعي للمؤلف، نتحدث عن السينما والمسلسلات، لكن قبل كل شيء عن المبدع الذي تخيّل القصة".
ويستعيد لقاءه بكوري إيدا في فينيسيا، مشيراً إلى مكانته وشاعريته ولغته البصرية، وأهمية تعاونه مع أعمال فوجيموتو، الذي يأمل استضافته مستقبلاً، وينضم المخرج إلى سينمائيين احتفى بهم المهرجان، بينهم الفرنسي لوك بيسون، ضيف الدورة السابقة، تأكيداً لقوة الرؤية الإنسانية خلف الحكاية.
"سجادة المجتمع"
يميّز فييتينا لوكّا عن المهرجانات السينمائية التقليدية؛ فالشركات تنشئ فضاءات يدخل فيها الجمهور العوالم المتخيّلة، متجاوزة العروض واللقاءات الصحافية. ولذلك يفضّل تعبير Community Carpet، أو “سجادة المجتمع”، على السجادة الحمراء.
وتشمل المشاركات مساحات لمسلسل Dexter من Paramount+، وPercy Jackson من Disney، وأعمال Ghibli بالتعاون مع Lucky Red، وقرية مستوحاة من K-Pop Demon Hunters تنشئها نتفليكس.
ويرى أن التفاعل المباشر يمنح الجمهور علاقة حميمة بالقصص وقيمها: “يعيش الإنسان داخل عالمه الخيالي، ومن خلال فهم القصص يصبح أقدر على فهم الحاضر. لا ضرورة للاختيار بين الواقع والخيال؛ فكلاهما أداة لفهم العالم”.
فلسطين وأصوات الحرية
إلى جانب الفانتازيا والأبطال الخارقين، تحضر الهوية والحرية والحقوق الإنسانية، باعتبار القصص المصوّرة لغة لمساءلة الواقع.
ويستعيد فييتينا معرض "كلمتنا من أجل الحرية"، الذي استضافه المهرجان قبل عامين بمشاركة فنانات إيطاليات شابات من أصول شمال أفريقية، استخدمن الرسم والسخرية للتعبير عن تجاربهن الاجتماعية والثقافية.
ويقول: "مثّلن جيلاً يطالب بصوت حقيقي عبر القصص المصوّرة، واستخدمن، رغم اختلاف أساليبهن، الرسوم والدعابة لتصوير الواقع".
ويتواصل الاهتمام بحضور المقرّرة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي، لتقديم الرواية المصوّرة "فلسطين"، الصادرة عن Round Robin، في 30 أكتوبر، وتؤدي دور الراوية بمشاركة رسّامين إيطاليين وعالميين، بينهم الأميركي جو ساكو، المعروف بأعماله عن فلسطين.
ويؤكد فييتينا أن استضافتهم امتداد لتقليد يجعل الثقافة مساحة لقاء لأصحاب التجارب والمواقف المختلفة: "كانت لوكّا دائماً فضاءً للحوار. ومع التحوّلات الكبرى واتساع الفضاء المعلوماتي والرقمي، نحتاج إلى العودة لإنسانيتنا واللقاء وجهاً لوجه".
ويستحضر مشهداً من السبعينيات: الإيطالي هوغو برات يعزف الجيتار، وفنانون كوبيون وأميركيون يأكلون ويرسمون ويتبادلون الأفكار، معتبراً ذلك جزءاً من إرث المهرجان بوصفه "مساحة آمنة للاختلافات والفنانين".
أوروبا والخيال المشترك
تحصل الدورة للمرة الأولى على رعاية البرلمان الأوروبي، في خطوة يربطها فييتينا بالانفتاح والتنوع والتبادل الثقافي.
ويقول: “نريد لوكّا ملتقى عالمياً للأفكار والكلمات والحوار، منفتحاً على ثقافات جديدة، إلى جانب علاقاتنا التاريخية بفرنسا واليابان، وإذا كانت أوروبا فضاءً للعيش والدراسة والنمو، فإن المهرجان يجسّد هذه القيم”.
وستُهدي لويز ستيفان إلى البرلمان الأوروبي عملاً يصوّر رؤيتها للغد؛ فالقلم الذي تسلّمته يرمز إلى انتقال المهارة والحق في تخيّل العالم وإعادة رسمه، وإلى إرث يُوضع في أيدي الأجيال المقبلة لتبتكر مستقبلها.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.