البندقية 83: مارتن ماكدونا يُضحكنا بمرارة وفرنر هرتزوغ يُحبطنا
لحظات من التصفيق حظي بها أمس المخرج البريطاني الإيرلندي مارتن ماكدونا وفيلمه "حصان بري تاسع"، المنافس على "الأسد الذهب"، في مهرجان البندقية السينمائي (2 ـ 12 الجاري). بعد أربع سنوات على "جنيات إنشرين"، يعود ماكدونا إلى الليدو بحكاية عن الحياة والموت وكلّ ما بينهما، بفكاهة تأتي من قلب الشخصية، ويتولّى جون مالكوفيتش مسؤولية إطلاقها ببراعة مدهشة. مالكوفيتش يؤدّي دور كريس، عميل في الـ"سي آي أي" مصاب بالسرطان، يعرف أن الموت يقترب منه، ويحاول في أيامه الأخيرة أن يدوّن مذكراته، كاشفاً، ربما، بعضاً من الفظائع التي ارتكبها خلال حروب وانقلابات سياسية شاركت بلاده في هندستها أو دعمها. في رحلته إلى جزيرة نائية في تشيلي لإنهاء حياته، يرافقه زميله لي (سام روكويل)، لكن تشيلي التي هما فيها، انتخب سلفادور أليندي رئيساً، فيما كانت الولايات المتحدة تستعد للتدخّل، وصولاً إلى الانقلاب العسكري الذي أطاح الرئيس المنتخب لاحقاً.
في هذه الأجواء، يبني ماكدونا فيلمه المتعدّد الطبقات، الذي يتأرجح بين الشخصي والسياسي، العام والخاص، وبين الكوميديا السوداء والتأمّل الوجودي. يمرر مواقفه وأفكاره من أظرفها إلى أكثرها خشونةً، عبر فكاهة مرة وسخرية لا تخشى الاصطدام بما يُسمَّى "الصواب السياسي"، وقد أغرقت الحوارات اللمّاحة الصالة (خلال العرض الصحافي) في ضحك كاد أن لا ينقطع. سنسمع أخطر التصريحات من كريس، ولن يولد لدينا سوى الضحك. السياسة ليست خلفية للأحداث، انها جزء من تكوين الشخصيات نفسها، ومن تاريخها الذي يعود ليطالبها بحساب متأخّر.
الفيلم جردة في الوجود والمرض والذكريات، ما فعلنا وما كان يمكن أن نفعل، بعذوبة لا تلغي الجانب النقدي الذي ينسحب إلى الخلفية. يتحدّى ماكدونا فكرة حصر رجل أمن داخل اطار تقليدي، واضعاً الأسئلة في سياق سياسي وأخلاقي: تدخلات الولايات المتحدة في العالم، ونظرتها المتعالية إلى ما هو بعيد ومختلف، وإلى الشعوب والأسماء والأماكن التي يصعب حتى نطقها بالنسبة إلى الأميركي الذي لا يرى العالم إلا من موقع القوة.

خلال تصوير ”باكينغ فاستارد“ لهرتزوغ.
يضع ماكدونا كريس، وهو شخصية غير جاهزة لذلك (أقله سينمائياً)، على سرير الطبيب النفسي، كأنه يريد أن ينتزع منه ما تبقى من إنسانية عالقة في مكان ما، وأن يجبره على مواجهة سجلّه الشخصي قبل الخاتمة. ومن بين الاعترافات والذكريات والنكات والأكاذيب والدسائس والمؤامرات، تخرج جملة تختصر شيئاً من روح الفيلم: "ليتني قتلتُ أناساً أقل واستمتعتُ بالحياة أكثر".
هذا نصّ سينمائي جميل تجري فصوله داخل مناظر طبيعية خلابة تحتضن الشرط الإنساني البائس. نصّ يحمل بصمة مخرج واثق تماماً من أدواته، ويعرف كيف يستخدم السخرية كسلاح هدّام في وجه الخطب الرنانة، من دون أن يحوّلها إلى مجرد زينة أسلوبية. مع "حصان بري تاسع"، يسجّل المهرجان انطلاقة قوية، ومن المؤكّد أننا لم ننتهِ بعد من الحديث عن هذه الجوهرة التي تتيح أيضاً لمالكوفيتش ولادة جديدة.
الألماني فرنر هرتزوغ في الرابعة والثمانين، ولا يزال متعطّشاً للمنافسة، العمر لم يبدّل شيئاً من رغبته في اختبار نفسه أمام الآخرين. نقلت مجلّة "فرايتي" أنه لم يوافق على المشاركة في الدورة الأخيرة من كانّ خارج المسابقة، فلجأ إلى البندقية التي ضمّت فيلمه "باكينغ فاستارد" إلى السباق على "الأسد". وعندما نشاهد الفيلم، نفهم تحفّظ المهرجان الفرنسي. ففي نهايته مشاهد آسرة، تقودنا إلى "كهف الأحلام المنسية"، أحد أجمل أعماله الوثائقية وأكثرها تعبيراً عن قدرته على العثور على الشِعر في الأمكنة غير المتوقّعة.
لكن الحصيلة العامة أقل إقناعاً. هناك رغبة تبدو أحياناً مفتعلة في قول شيء مختلف، أو في إضفاء غرابة على مادة كان يمكن أن تكون أكثر قوة في بساطتها: من القصّة والشخصيات، إلى الموسيقى والاختيارات الأسلوبية. نحن أمام فيلم لمخرج "فيتزكارالدو"، لكن التجربة الطويلة التي جعلت هرتزوغ قادراً على ضخّ حياة جديدة في كلّ ما يتناوله لا تتجلّى هنا كما يجب.
القصّة، في أبسط خطوطها، تدور على شقيقتين، جان وجوان هولبروك (كايت وروني مارا)، يبلغ التشابه بينهما حدّاً يكاد يمحو الفاصل بين كائنين مستقلّين. تتحدّثان في اللحظة نفسها، تحلمان بالأشياء ذاتها، تقعان في حبّ الرجل نفسه، بل ترتكبان أحياناً الزلّة اللفظية نفسها. هذه العلاقة الغريبة بينهما، هي قلب الفيلم.

”البرانية“ لأشجان الهمص.
يتعلّق الجزء الأكثر إثارةً في الحكاية برجل (أورلاندو بلوم) تنجذب إليه الشقيقتان ويمارس معهما الجنس في البداية، قبل أن ينصرف إلى امرأة أخرى. لكنهما لا تتقبّلان بسهولة خروجه من حياتهما، فتواصلان ملاحقته ومضايقته، لتتحوّل الحكاية تدريجاً إلى مادة قضائية. يبدأ الفيلم من قاعة المحكمة، في استعانة بنوع سينمائي شديد التقليدية: فيلم المحاكمة. يحاول هرتزوغ أن يزعزع هذا القالب من الداخل، خصوصاً عبر السخرية والمفارقة، إلا أن محاولته لا تحقّق دائماً الغاية المطلوبة، فيبقى كسر القواعد محدوداً أمام "غلاظة" الفيلم.
الفيلم لا يمنحنا نافذة مباشرة على عالم جان وجوان، ولا يحاول أن يجعلنا نرى العالم بالطريقة التي تريانه بها. بدلاً من ذلك، يموضعنا في موقع المراقب، تاركاً لنا مهمّة اكتشاف الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليهما وكيف يستجيب العالم لوجودهما. تظهر لمسات المخرج بين الحين والآخر، في تلك النظرة التي لا تخطئها العين، لكنها لا تتراكم بما يكفي لتحويل الفيلم إلى واحدة من قممه.
الريف المصري في "الموسترا"
مصر كتاب من الحكايات تقلّبه بلا ملل. كلما اقتربت منها السينما بعيداً من صورتها السياحية أو سردياتها الكبرى، انفتحت أمامها طبقات أخرى من الحياة، أكثر تواضعاً وأكثر ثراءً. في الفيلم الروائي، "البرانية"، المعروض في "أيام المؤلّفين"، تذهب المصرية أشجان الهمص إلى قرية مصرية محاطة بحقول القمح، لتصوير أوضاع عائلة من خلال ثلاثة أجيال. فيلم يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يترك وراءه أسئلة كثيرة عن الأرض، والرحيل، والأسرة، وما الذي يبقى للإنسان حين تضيق أمامه خيارات الحياة. هذا فيلم يتولّد من الأحاسيس الصغيرة. الأسلوب "ناتورالي"، أما الأرض فهي أكثر من ملكية. إنها الذاكرة، والعائلة، والعمل، والانتماء، وربما الوهم الأخير بأن الإنسان يستطيع أن يظلّ في المكان الذي يعرفه. لكن الفيلم يعرف أيضاً أن الرحيل قادم… تقول الهمص إن "البرانية" هي القرية التي تنحدر منها عائلتها، وإن زيارتها الأولى لها جعلتها تشعر، منذ اللحظة الأولى، بأنها جزء من جماعة أكبر. وسط عائلة تعيش كلها في ستين متراً مربّعاً، وجدت معنى التضامن والانتماء الذي افتقدته في حياة أكثر فردانية في الغرب (يَتبع…).
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.