The Daily Newsstand · Free, Always
Sunday, October 4, 2026

كندا وأوروبا... نموذج في التّقارب الحضاري

Translate

تتقارب الدول الحديثة والديموقراطية على أساس واضح: احترام الخصوصيات، وتبادل المنافع، والدفاع عن المصالح المشتركة. لا تحتاج دولة إلى ابتلاع أخرى، ولا إلى فرض إرادتها عليها، كي تبني معها مساحة تعاون أوسع. يكفي أن تقتنع الأطراف بأن ما تحققه مجتمعة قد يكون أكبر مما تستطيع تحقيقه منفردة.

ولعل الاتحاد الأوروبي هو أبرز نموذج معاصر على هذا النوع من التجمعات. دول كبيرة وصغيرة، بلغات وثقافات وتواريخ مختلفة، اختارت أن تنشئ بينها مؤسسات مشتركة وسوقاً واسعة وقواعد للتعاون، من دون أن تلغي دولها أو هوياتها الوطنية.

الفكرة في أساسها بسيطة: رزمة الأعواد يصعب كسرها، والاقتصاد الحديث نفسه يدفع الدول إلى بناء شبكات أوسع من التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والأمن.

وحتى عندما قررت بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، جرى الانفصال من خلال الاستفتاء والمؤسسات والمفاوضات والقانون، لا عبر حرب بين بريطانيا وجيرانها. اختلفوا، ثم تفاوضوا على شكل الاختلاف.

واليوم يبدو أننا نشهد ملامح تقارب جديد من النوع نفسه: تقارب كندي ـ أوروبي، إرادي ومصلحي، يسعى إلى توسيع مجالات التعاون مع الحفاظ على استقلال كل طرف وخصوصيته.

وقد وقف رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أمام البرلمان الأوروبي، وبدأ من فكرة لافتة، أراد بها أن يحدد منذ البداية ما ليس مشروعه، قبل أن يشرح ما يريده: "سأبدأ بما لا أريد (...)".

هو لا يتحدث عن إنشاء كتلة جديدة تدخل في مواجهة مع العالم، ولا عن استبدال تبعية بأخرى، بل عن بناء شراكات تجعل الدول أكثر قدرة على اتخاذ قراراتها بنفسها.

ومن هنا جاءت أفكاره عن التعاون في الدفاع والطاقة والمعادن الحرجة والذكاء الاصطناعي والتجارة والبحث العلمي. الرسالة واحدة: في عالم تزداد فيه المنافسة على الموارد والتكنولوجيا والأسواق، تصبح الدولة أكثر قوة عندما تكون لها بدائل، وشركاء، وشبكة مصالح واسعة، لا عندما تضع مستقبلها كله في يد طرف واحد.

إنها صيغة مختلفة لفهم السيادة؛ فالسيادة لا تعني أن تنتج الدولة كل شيء وحدها، ولا أن تغلق أبوابها في وجه العالم. إنها أن تدخل علاقاتها الدولية بإرادتها، وأن تعرف ما الذي تريده من شركائها وما الذي تستطيع أن تقدمه لهم، وأن تبقى قادرة على قول «نعم» أو «لا» من موقع الاختيار لا الاضطرار.

ولهذا كانت صورة الغابة التي استخدمها كارني معبّرة: الشجرة الواحدة قد تكون قوية، لكنها تصبح أكثر قدرة على الصمود حين تكون جزءاً من غابة تتشابك جذورها، من دون أن تفقد كل شجرة وجودها المستقل.

وحين ننظر من منطقتنا العربية إلى هذه التجارب، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا يستطيع العرب أن يتقاربوا بالطريقة نفسها؟

لدينا لغة مشتركة، وجغرافيا متصلة، وأسواق وموارد ومصالح أمنية واقتصادية متداخلة، ومع ذلك بقيت مشاريع التكامل العربي أضعف بكثير من الإمكانات المتاحة لها.

ربما لا تكمن المشكلة في غياب المصالح المشتركة، فهي موجودة، ولا في غياب الروابط التاريخية والثقافية، فهي أوضح من أن تحتاج إلى إثبات. وربما ينبغي البحث عن الجواب في طبيعة المؤسسات السياسية نفسها، وفي قدرة الدول على بناء الثقة، واحترام القانون، وتداول السلطة، وصناعة القرارات المشتركة من خلال مؤسسات مستقرة.

وهنا يمكن طرح السؤال الأكثر حساسية: ترى، لماذا لا يستطيع العرب أن يتحدوا بالطريقة ذاتها؟

ربما، وبكل بساطة، لأن بناء اتحاد طوعي ومستقر يحتاج قبل كل شيء إلى دولٍ تكون مؤسساتها ديموقراطية فعلاًً، وتقبل الاختلاف، وتحترم إرادة شعوبها كما تحترم سيادة جيرانها.

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

View the original on النهار →

KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.