انخفاض معدلات المواليد في أوروبا... هل تنقذ الهجرة القارة من الشيخوخة السكانية؟
.jpg)
مع هبوط معدلات الخصوبة من شرق آسيا إلى أوروبا وحتى أجزاء من أفريقيا، أصبح السؤال الديموغرافي الأكثر تداولاً على الساحة ليس حول عدد البشر الذين سيعيشون على الأرض، بل حول مَن سينجب الجيل المقبل.
وتزداد مساهمة الأمهات المولودات خارج بلدان إقامتهن في إنجاب الجيل الأوروبي المقبل، لكن ذلك لا يعني أن الأسر المهاجرة تستطيع وحدها وقف الشيخوخة؛ تستفيد القارة من وصول سكان جدد، ومن الأطفال الذين تنجبهم أسر استقرت فيها، وهذان مساران مختلفان تختلط أرقامهُما في النقاش السياسي.
في الاتحاد الأوروبي، وُلِد 24% من أطفال عام 2024 لأمهات مولودات خارج بلد إقامتهن، في مقابل 18% عام 2014، وفق "يوروستات"، وتشمل الفئة أمهات انتقلن بين دول الاتحاد، إلى جانب وافدات من خارجه؛ لا يعني ذلك أن ربع المواليد أبناء مهاجرين من خارج أوروبا، ولا يحدد ذلك جنسيتهم أو ديانتهم.
يرى أكرم ألفي، الصحافي والباحث المتخصص في الديموغرافيا السياسية، في حديث أجرته معه "النهار" "أن العالم يتجه إلى مرحلة سيكون فيها الأطفال أقل عدداً في صورة حادة، حتى وإن كان الحديث عن 'عالم بلا أطفال' يظل توصيفاً صحافياً أكثر منه سيناريو حرفياً".
وبحسب ألفي، فإن الهجرة التي ساهمت طوال السنوات الماضية في تعويض جانب من التراجع الطبيعي للسكان في أوروبا "لا تقدم حلاً دائماً للأزمة، لأن المهاجرين أنفسهم يتبنون تدريجياً أنماط الإنجاب السائدة في المجتمعات التي ينتقلون إليها، بما يعني أن فجوة الخصوبة بين الوافدين والسكان المحليين تتقلص مع الوقت".
ويشير ألفي إلى عام 2024، حين عوضت الهجرة تراجع السكان الطبيعي في الاتحاد الأوروبي. ووفق أحدث بيانات "يوروستات"، بلغ صافي الهجرة نحو 2.05 مليون نسمة، في مقابل نقص طبيعي بنحو 1.35 مليون، ناتج من تجاوز الوفيات عدد المواليد. وكانت تقديرات أولية سابقة قد وضعت صافي الهجرة عند 2.3 مليون.
وتُحتسَب ولادة طفل لأم مهاجرة من ضمن المواليد، لا من ضمن الوافدين الجدد، أما ارتفاع حصة هؤلاء الأطفال فلا يثبت وحده زيادة ميل أمهاتهم إلى الإنجاب: قد يعكس زيادة عدد النساء المولودات في الخارج البالغات سن الإنجاب، أو انخفاض مواليد بقية السكان.
كذلك، لا يصبح مولود الأم المهاجرة مهاجراً تلقائياً، وإذا وُلِدت ابنتها في بلد الإقامة، ثم أنجبت فيه، تُحتسَب ولادة الابنة من ضمن مواليد الأمهات المولودات محلياً، وهو ما يجعل تعريف الفئات حاسماً عند تتبع الأجيال.
.jpg)
ممرضة تحمل طفلاً في مستشفى بأوكرانيا (أ ف ب)
الهجرة أنقذت النمو السكاني.. لا المواليد
يقول ألفي إن نحو ربع مواليد الاتحاد الأوروبي باتوا يولدون لأمهات مولودات خارج بلد إقامتهن، مقارنة بنسبة أقل قبل عقد، ويرى في ذلك دليلاً على الدور المتزايد للهجرة في تشكيل الخريطة السكانية الأوروبية. غير أن هذا التصنيف يشمل أيضاً الأمهات المنتقلات من دولة أوروبية إلى أخرى، ولا يعني أن هؤلاء الأطفال جميعاً ينتمون إلى أسر مهاجرة من خارج الاتحاد.
ويقدّر ألفي أن حصة المواليد لأسر ذات خلفية أجنبية قد تقترب من 40% خلال أقل من عشر سنوات إذا استمرت الاتجاهات الحالية. غير أن هذا تقدير استشرافي غير رسمي، وليس توقعاً صادراً عن "يوروستات"، كما أن تحققه يتوقف على تدفقات الهجرة وتركيبة الوافدين وتطور الخصوبة لدى مختلف الفئات.
لكن هذه الصورة، وفق ألفي، تخفي تحولاً أكثر تعقيداً: "رفعت الهجرة عدد السكان في بلدان أوروبية كألمانيا وفرنسا وإسبانيا والنمسا وبريطانيا خلال العقد الماضي، بينما كان النمو الطبيعي أضعف بكثير، أو سلبياً في بعض الحالات".
ويقول ألفي إن الجزء الأكبر من المناطق الأوروبية التي حافظت على نمو سكاني فعل ذلك بفضل الوافدين لا بسبب زيادة المواليد.
ويكمل ألفي: "المشكلة أن هذا المحرك نفسه بدأ يفقد بعض قوته الديموغرافية"، مشيراً إلى أن معدلات الخصوبة لدى كثير من الجماعات المهاجرة تتراجع بدورها، وتقترب بمرور الوقت من الأنماط السائدة في بلدان الإقامة. "ويعني ذلك أن مواليد الأسر المهاجرة قد تخفف حدة التراجع، لكنها لن توقف الشيخوخة السكانية من دون استمرار تدفقات الهجرة أو حدوث تحسن أوسع في الخصوبة".
تراجع المواليد يتسارع... لكن الأرقام تختلف بين الدول
يرى ألفي أن عام 2025 مثّل محطة لافتة في مسار تراجع المواليد، مستنداً إلى رصده للبيانات التي أعلنتها عشرات الدول. تؤكد الأرقام الرسمية استمرار الانخفاض في عدد كبير من الاقتصادات، لكن لا تتوافر حتى الآن قاعدة دولية موحدة تثبت أن مواليد 98 دولة تراجعت مجتمعةً بنسبة 15% خلال عام واحد، لذلك ينبغي التعامل مع هذا التقدير بوصفه رصداً شخصياً لا إحصاءً عالمياً نهائياً.
ويحذّر الباحث المتخصص في الديموغرافيا السياسية من أن استمرار التراجع السريع لعقد كامل قد يقود إلى ما يصفه بـ"كارثة ديموغرافية". إلا أن التداعيات لن تكون متطابقة عالمياً، إذ لا تزال المواليد والسكان ينموان في عدد من الدول، وخصوصاً في أفريقيا، بينما تتركز أشد موجات الانخفاض في شرق آسيا وأوروبا.
ويستشهد ألفي بالصين واليابان بوصفهما نموذجين واضحين للاتجاه الجديد. فقد انخفض عدد المواليد في الصين من 9.54 مليون في عام 2024 إلى نحو 7.92 مليون في عام 2025. وفي اليابان، بلغ عدد المواليد اليابانيين المسجلين نحو 671 ألفاً في عام 2025، انخفاضاً من نحو 686 ألفاً في العام السابق.
ويضيف ألفي أن الاتجاه نفسه ظهر، بدرجات مختلفة، في الدول التي تابع بياناتها، بينما ظلت الزيادة المحدودة في الخصوبة في كوريا الجنوبية غير كافية، في رأيه، لتغيير الصورة العامة.
بالنسبة إلى ألفي، لا يعني ذلك اختفاء الأطفال، وإنما تقلص نسبتهم داخل المجتمع في صورة يمكن أن تعيد تشكيل سوق العمل وأنظمة التقاعد والمدارس والطلب على المساكن خلال العقود المقبلة.
%20%D8%B7%D9%81%D9%84.jpg)
امرأة تسير بعربة أطفال في موسكو (أ ف ب)
فرنسا: بلد المنشأ يغيّر الصورة
تقدم فرنسا اختباراً لفرضية "المهاجرون يكثرون من الإنجاب"، فبحسب معهد الإحصاء الفرنسي "إنسي"، بلغ مؤشر الخصوبة المعدّل للنساء المولودات في الخارج 2.3 طفل لكل امرأة في عام 2021، في مقابل 1.7 للمولودات في فرنسا.
لكن المتوسط يخفي اختلافات واسعة، إذ يبلغ 1.6 للمولودات في جنوب أوروبا، و2.5 للمولودات في المغرب العربي، و3.3 للمولودات في بقية أفريقيا.
وقد عُدِّل المؤشر لاحتساب الخصوبة قبل الهجرة، لأن التركيز على السنوات التالية للوصول، التي قد تشهد تكوين الأسرة أو لمّ شملها، يبالغ في تقديرها.
ولم تمنع هذه المساهمة تراجع الخصوبة الفرنسية إلى 1.56 طفل في عام 2025، حين تجاوزت الوفيات المواليد بستة آلاف، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وفق "إنسي".
وتقول ندى محمدـ وهي مهاجرة مُقيمة في مدينة بوردو الفرنسية، لـ"النهار" إن غلاء المعيشة يُعَد العامل الرئيسي في خفض معدلات الإنجاب، موضحة أنها كانت تقيم سابقاً في باريس لكنها لم تتحمل الغلاء فانتقلت إلى بوردو حيث أسعار السلع والخدمات أقل تكلفة.
ألمانيا وإيطاليا: مساهمة كبيرة لا توقف التراجع
في ألمانيا، شكّل مواليد الأمهات المولودات بالخارج ثلث المواليد على الأقل في عام 2024، وفق "يوروستات"، ومع ذلك، انخفض مؤشر الخصوبة الإجمالي من 1.35 في عام 2024 إلى 1.32 في عام 2025، بحسب مكتب الإحصاء الاتحادي "ديستاتيس".
وفي إيطاليا، تراجعت خصوبة الأجنبيات أيضاً من 2.31 طفل في عام 2010 إلى 1.79 في عام 2024، في مقابل 1.11 للإيطاليات، وفق "إيستات"، وهذه مقارنة بحسب الجنسية، تختلف عن تصنيف "يوروستات" بحسب بلد الميلاد، وتُنقَل فيها المتجنّسات إلى فئة المواطنات.
وتوضح بيانات عام 2025 وزن المسارين: بلغ صافي الهجرة إلى إيطاليا 296 ألفاً، معوضاً تقريباً العجز الطبيعي. وبين المقيمين الأجانب تحديداً، أضاف صافي الهجرة 348 ألفاً، بينما أضاف فائض المواليد على الوفيات 36 ألفاً. وبلغت الخصوبة الإجمالية 1.14 طفل، أي أقل من فرنسا وألمانيا.
بريطانيا: العلمنة تفسّر التحول الديني أكثر من الهجرة
في بريطانيا، يرفض ألفي تفسير تغير الهوية الدينية للبلاد باعتباره نتيجة مباشرة لزيادة المواليد المسلمين أو الهجرة الإسلامية. ويعتبر أن هذا الطرح يحتاج إلى قدر كبير من الحذر، لأنه يُستخدَم أحياناً في خطاب اليمين المتطرف لتصوير التحول السكاني باعتباره إحلالاً دينياً.
وبحسب نتائج التعدادات السكانية الأحدث، عرّف نحو 6% من سكان بريطانيا العظمى أنفسهم بأنهم مسلمون، في مقابل نحو 38% قالوا إنهم لا ينتمون إلى دين. وتختلف النسب بحسب المنطقة وطريقة القياس؛ في إنكلترا وويلز وحدهما بلغت حصة المسلمين 6.5%. لذلك، يرى ألفي أن تراجع الصبغة المسيحية التقليدية يعود أساساً إلى العلمنة وارتفاع نسبة غير المتدينين، لا إلى تحول المسلمين إلى مجموعة سكانية مهيمنة.
ويقول ألفي "إن بريطانيا أخذت تفقد صبغتها المسيحية التقليدية قبل عقود"، لكن التحول الذي يقصده ثقافي وديني داخلي في المقام الأول، وتظهره زيادة أعداد غير المنتمين إلى دين، أكثر مما يعكس إحلال جماعة دينية مكان أخرى.
لماذا لا يريد الناس أطفالاً؟
لا يختزل ألفي الأزمة في سبب واحد، فمن وجهة نظره، بدأ التحول تاريخياً مع تراجع دور الزراعة والحاجة إلى أبناء يعملون مع الأسرة، ثم توسع التعليم، وانتشرت وسائل تنظيم الأسرة، فأصبح الإنجاب قراراً يمكن التحكم فيه بدرجة أكبر مما كان ممكناً لدى أجيال سابقة.
ثم جاءت عوامل الاقتصاد الحديث: الوظائف المؤقتة، وعدم استقرار الدخل، وصعوبة تكوين أسرة، وارتفاع تكلفة تربية الأطفال.
ويضيف ألفي إليها ما يصفه بـ"ثقافة جماعية" جديدة ترى الإنجاب مكلفاً ومرهقاً، إلى جانب أثر الحروب والتوترات والمخاوف في شأن المستقبل في قرار الشباب تأجيل الإنجاب أو التخلي عنه.

أطفال يلعبون في الصين (أ ف ب)
العقد المقبل: أطفال أقل واعتماد أكبر على الهجرة
لا يتوقع ألفي انعكاساً سريعاً للاتجاه خلال العقد المقبل. السيناريو الأقرب، في تقديره، هو استمرار تراجع المواليد وارتفاع وزن الأسر المهاجرة في إجمالي المواليد الأوروبيين، حتى مع انخفاض خصوبة تلك الأسر تدريجياً واقترابها من مستويات المجتمعات المضيفة.
ويرفض في الوقت نفسه أن يكون الحل عبر دفع الحكومات الأفراد قسراً إلى الإنجاب أو عدم الإنجاب. ويرى أن السياسة الأكثر فاعلية تمر عبر تحسين التعليم والصحة والاستقرار الاقتصادي والسكن وفرص العمل، بما يجعل تأسيس أسرة خياراً يمكن تحمله مالياً واجتماعياً. "وفر ظروفاً أفضل، والناس ستنجب أطفالاً"، كما يلخص رؤيته.
وهكذا، قد لا يصبح العالم "بلا أطفال"، لكنه يتجه، وفق قراءة ألفي، إلى عالم تكون فيه الأجيال الجديدة أصغر حجماً، وتصبح الهجرة أكثر أهمية للحفاظ على قوة العمل والسكان، بينما تتحول المنافسة على الشباب إلى واحدة من القضايا الاقتصادية والسياسية الكبرى في العقد المقبل.
في ملف "عالم بأطفال أقل ومسنين أكثر!"، تبحث "النهار" في التحوّلات السكانية والديموغرافية في العالم، وتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، طارحةً سؤالاً مهماً: "هل نتجه نحو شيخوخة سكانية يصعب العودة منها؟".
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.