"مصر كلها هتلبس إسلامي"... قمصان القعقاع وحيدرة تفجّر سجالاً في مصر
ثارت ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي في مصر أخيراً، بعد انتشار صور ومقاطع فيديو لقمصان طبعت عليها رسومات لسيوف ومقاتلين بملابس حربية قديمة، إلى جانب عبارات تستحضر الغزوات وشخصيات من التاريخ الإسلامي، أبرزها القعقاع بن عمرو و"حيدرة"، وهو الاسم الذي ارتبط بعلي بن أبي طالب.
ولم يتوقف السجال عند حدود التصميم أو توظيف الرموز التاريخية في منتج تجاري موجه إلى الشباب، بل امتد إلى مضمون الخطاب الذي تحمله بعض القمصان، وما إذا كان يمثل مجرد استدعاء للتراث والهوية، أم يساهم في إعادة تقديم مفردات الحرب والغزو والقوة في قالب شبابي معاصر.
وتكتسب القضية حساسية إضافية في بلد خاض على مدى سنوات مواجهة مع تنظيمات متطرفة سعت إلى توظيف رموز ومفردات من التاريخ الإسلامي في خطابها الدعائي. إلا أن الجدل الحالي لا يستند إلى دليل يربط العلامة التجارية المروجة لهذه القمصان بتنظيمات متطرفة أو تيارات الإسلام السياسي، بقدر ما يدور حول الرسائل التي تحملها التصاميم وطريقة تلقيها اجتماعياً.
خلال سنة واحدة مصر كلها سترتدي "زياً إسلامياً"
نشرت إحدى الصفحات التي تروج لهذه القمصان، وتحمل اسم "جوبا"، مقطع فيديو لشابين يرتديان قميصين، كُتب على أحدهما "القعقاع.. رجل بألف فارس… لا يهزم جيش فيه القعقاع"، فيما كتب على الآخر "أنا الذي سمتني أمي حيدرة".
وتحمل تسمية هذه القمصان "زياً إسلامياً" مفارقة لافتة، إذ إن هذا النوع من القمصان (T-Shirts) تطور بصورته الحديثة في الغرب من ملابس داخلية شاعت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، قبل أن يتحول تدريجاً إلى قطعة أساسية من الملابس اليومية. وفي عام 1904، روّجت شركة Cooper Underwear Company الأميركية قميصاً داخلياً بلا أزرار تحت اسم "قميص العازب"، مستهدفة الرجال الذين لا يجيدون حياكة الأزرار.
ورغم هذا التاريخ الغربي للـ"T-shirt" بصورته الحديثة، وصف بعض مروجي القمصان الجديدة المنتج بـ"الزي الإسلامي"، وكتب أحدهم على مقطع الفيديو "سنة واحدة مصر كلها هتلبس إسلامي بإذن الله".

تصميم يمزج بين الإسلام والسيف. (فايسبوك)
الأفكار المتشددة كمنتج قابل للارتداء يومياً
يرى الخبير المتخصص في حركات الإسلام السياسي حسام الحداد أن "البروز السريع لصفحات تروج لملابس تحمل عبارات ورموزاً "صدامية" مثل الإشارة إلى "الجزية" و"الغزوات"، يثير تساؤلات جدية ومقلقة حول طبيعة الخطاب الموجه للشباب اليوم".
ويقول الحداد لـ"النهار" إن "استبدال القيم الإنسانية الكبرى التي جاء بها الدين الإسلامي، كالحكمة، والرحمة، ومكارم الأخلاق، بشعارات تستدعي لغة العنف والسيطرة، يعكس تحولاً نوعياً في كيفية تسويق "الهوية الدينية"، واستغلالها لجذب الانتباه، وتحقيقاً للمكاسب التجارية تحت غطاء ما يعرف بالترند".
ويضيف "عند قراءة هذه الظاهرة بشكل دقيق وعميق، لا يمكننا التعامل معها بمعزل عن سياقها الأوسع؛ فهذه التصاميم وما يصاحبها من تفاعلات حادة تمثل نمطاً من أنماط "التعبئة البصرية" وإعادة إنتاج الرموز الاستعلائية في الفضاء العام، فتحويل الأفكار المتشددة إلى منتجات يومية قابلة للارتداء يساهم بشكل خطير في تطبيع خطاب القوة والصدام، بعيداً عن أطر التنظيم السياسي المباشر، لكنه يمهد بيئة خصبة لتقبل تلك الأفكار".
ويرى الخبير أن "الخطورة لا تكمن فقط في كون هذه المشاريع مجرد استغلال تجاري بحت أو "تجارة" تسويقية، بل في قدرتها على تشكيل وعي زائف لدى قطاع من الشباب يربط العزة والكرامة بالهيمنة والعداء للآخر، بدلاً من التعايش والمواطنة".
ويحذر الحداد من أن "غياب الردع المجتمعي والثقافي لمثل هذه النزعات، والدفاع الشرس عنها من قبل قطاعات من الجمهور، ينذر بوجود حاضنة ثقافية جاهزة لاستقبال وإعادة تدوير الخطابات المتطرفة بأشكال جديدة ومبتكرة".
"فكرة جيدة" بشرط تقبل النقد
من جانبه، يرى شاعر العامية والكاتب الساخر رامي يحي أن العلامة التجارية التي تروج لهذه القمصان "لطيفة"، ويقول لـ"النهار" إن "الإشكالية ليست في وجود هذا المنتج في الفضاء العام بمصر، ولكن في عدم السماح بنقد ما يروجه من أفكار يراها منتقدوه متجاوزة للسياق والزمن".
ويقول يحي لـ"النهار" إنه "لو كان هناك مساحة لحرية النقد، لظهر محتوى كوميدي للغاية يتصدى لهذا المنتج، لكن النقد هنا يسير في اتجاه واحد، لصالح الفكر المتشدد الذي يحظى بتأثير واسع داخل المجتمع".
ويشير إلى أن المتشددين الذين يقودون الرأي العام في مثل هذه الأحداث "يطرحون أفكاراً، مع علمهم مسبقاً بأنهم لن يستطيعوا تحمل ردة الفعل عليها، لذا بمجرد صدور رد الفعل، يبادرون بالصراخ، ويعتبرون مواجهة أفكارهم وآرائهم المشوهة، مساساً بالمقدسات".
ويضيف يحي، الذي أمضى فترة من حياته منتمياً للتيارات السلفية المتشددة، "إنهم دائماً ما يلعبون أدواراً متناقضة في الوقت ذاته، فهم الضحية والجلاد، يبادرون بالاعتداء على غيرهم، ثم يلعبون دور المعتدى عليه حين يتم كشف سذاجة أفكارهم. لديهم استحقاقية غريبة، ويعتبرون أن آراءهم هي الحق المطلق".
ويعتبر أن "الإشكالية أن قطاعات واسعة من المجتمع تتفق على الجهل بالإسلام والتعصب له. وهذا يخدم تلك التيارات بدرجة كبيرة".
ويرجح الكاتب أن "هذه القمصان ليست من بنات أفكار تيارات الإسلام السياسي، ولكنها في الغالب فكرة أتى بها شاب تنقصه المعرفة والثقافة، وإن كان من المتوقع أن تبادر تلك التيارات سريعاً بدعمه، وإعادة نشر محتواه، بل وإضافة بعض التصاميم والعبارات لمنتجاته، للاستفادة منها".
سجالات وردود مضادة
حاولت "النهار" الحصول على تعليق من صفحة "جوبا" عبر رقم الهاتف المتاح على الصفحة، ومن خلال "واتس آب"، إلا أنها لم تتلق إجابة.
في المقابل، ظهرت ردود فعل مضادة لما يتم ترويجه عبر تلك القمصان، إذ جرى تداول تصاميم موازية تتضمن عبارات ومواقف شهيرة مثيرة للجدل، منها ما يتعلق بالشخصيات التاريخية التي طبعت على القمصان المثيرة للجدل.
وركز جانب من المحتوى المضاد على دعاة إسلاميين معاصرين سبق أن أثارت آراؤهم بشأن المرأة والزواج وقضايا اجتماعية سجالات واسعة، في محاولة لاستخدام السخرية والأقوال الجدلية نفسها لمواجهة الخطاب الذي تمثله القمصان.
ويعيد هذا السجال إلى الواجهة نقاشاً أوسع شهدته مصر خلال السنوات التي أعقبت ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، وخصوصاً مع صعود تيارات الإسلام السياسي إلى السلطة ثم خروجها منها، بشأن حضور الخطاب الديني في المجال العام وحدود نقده. إلا أن القمصان هذه المرة نقلت جانباً من ذلك النقاش من المنابر والبرامج السياسية إلى منتج شبابي يومي، لتصبح قطعة ملابس بسيطة ساحة جديدة لخلاف قديم حول الهوية والدين وحدود التعبير والنقد.
KioskNews shows a cleaned-up reading view extracted from the publisher’s page — the original always lives on their site, not ours.